القاضي عبد الجبار الهمذاني
186
المغني في أبواب التوحيد والعدل
مع فقد اللطف لا تحصل له مزية على امتناعه مع اللطف ، ولا لوجوده على الوجهين مزية . فلو كلفه تعالى الإيمان مع عدم اللطف - وفي المعلوم أنه لا يفعله - لكان كأنه منعه من إيقاعه على الوجه الّذي لو وقع عليه لكان مصلحة بأن لم يفعل اللطف . فلذلك أوجبنا أن يفعله سبحانه ، وقلنا : إن دعاء إبليس لو حصل عنده القبح على وجه لولاه لما حصل ؛ كان يجب أن يمنعه منه . لأنه لا بدّ في الحكمة من أن يمنع تعالى من المفسدة إذا كانت من فعل غير المكلّف ، كما يجب أن لا يفعلها لو كانت من فعله . وقد بينا من قبل أن المفسدة إذا كانت من فعل نفس المكلف ، فلا يجب أن يمنعه تعالى من فعلها ، لأنه إذا مكّنه من أن يمتنع منها وعرّفه بعقله وجوب التحرز من المضار عليه ، صار كأنه مانع منها بالمنع الّذي يجوز مع التكليف . فإن قال : إنكم فيما قبل ذكرتم أنه لا يجوز منه تعالى أن يكلف الفعل على وجه دون وجه مع مساواة حاله في الوجهين في باب أنه مصلحة . فخبرونا ، أتقولون لمثل هذه العلة - في الفعلين الغيرين « 1 » بمثل هذا القول ؟ قيل له : إذا / كان تعالى يعلم أن كل واحد منهما لو وقع لكان مصلحة ، فالحال فيهما كالحال في وجهي الفعل الواحد . ومتى كلّف أحدهما فقد دللنا بذلك على أنه المختص بكونه صلاحا . فإن قيل : فيجب على هذا الوجه أن لا يصح ما ذكره شيوخكم رحمهم اللّه من أنه تعالى لو علم في المكلف أنه لو زاد في تكليفه أنه يقبح منه ذلك ، لأن ما قدرتموه « 2 » إنما يجوز أن يكلف إذا كان صلاحا ؛ ومتى جاز ذلك ، وجب على
--> ( 1 ) أي المتغايرين المختلفين . ( 2 ) وهو الفعل الزائد .