القاضي عبد الجبار الهمذاني
181
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : ليس يخلو من أن تثبت للإيمان وجهين في الحقيقة يقع عليهما ، وتقول في وجود اللطف وعدمه إنه يؤثر في وقوعه على وجهين معلومين متميزين ، أو تقول إني لا أرجع في الوجهين إلا إلى مقارنة اللطف وعدمه فقط . وإلا فالفعل لا يتغير حاله فيما يرجع إليه وفيما يرجع إلى المكلّف . فإن قال بهذا الثاني . قيل له : فإذا كان حال الإيمان ما ذكرته ، فكيف يجوز أن يقال كلّف على وجه دون وجه وليس هناك وجهان معلومان يتميزان للمكلف . وبعد فإنه يقال ذلك لو وقع هذا الإيمان مع مقارنة اللطف « 1 » ، أكان يساوى حاله حاله إذا / وقع على الوجه الآخر مع فقد اللطف فيما هو الغرض بالتكليف . فإن قال : يساويه في ذلك . قلنا له : فيجب أن يقبح منه أن لا يلطف له ، لأنه متى لطف وقع الصلاح ، ومتى لم يلطف لم يقع . فإن قال : إنه لا يساويه البتة . قيل له : فيجب أن يكون ماله لا يساويه أمرا يرجع إلى حال الفعل دون وجود اللطف . وإذا كان كذلك فيجب أن لا يكلف أصلا ، وأن يلحق ذلك بما قدّمناه من الإيمان الّذي على وجه يكون مصلحة وإيمانا ، وعلى وجه آخر لا يكون مصلحة ولا إيمانا . وفي ذلك إبطال القول بأنه إيمان على الوجهين ، وبأنه كلّف تعالى على أحد الوجهين دون الآخر . واعلم أنه لا فرق بين أن يكون الكلام في الإيمان المعلوم سمعا أو عقلا . وذلك لأنه تعالى لا يجوز أن يكلف ردّ الوديعة ومعلوم من حاله « 2 » أنه يقع على وجهين يحصل بهما الغرض على أحد الوجهين دون الآخر . فالطريقة فيه كالطريقة فيما قدمناه ، وليس لأحد أن يفصل بين الأمرين ويجعل ذلك قدحا فيما أوردناه .
--> ( 1 ) المراد : اقتران اللطف بالفعل . ( 2 ) أي حال الرد .