القاضي عبد الجبار الهمذاني

182

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : فما الّذي تقولونه في دعاء إبليس على هذا القول ؟ قيل له : إنا نقول في ذلك بمعزل من الكلام في هذه المسألة ؛ وإنما ينبغي أن تنظر فيه ، فإن كان مفسدة فقط ، فواجب أن يمنعه تعالى منه ، ويجب أن يحكم - لأجل ذلك في كل من دعاه وفسد بدعائه - أنه كان يفسد لو لم يدعه . وإن ثبت أن له مدخلا في التمكين لم ( يصح ) ويمتنع أن يجوز وقوع ذلك منه ، وإن كان يفسد عنده من لولا دعاؤه كان لا يفسد ، لأنه على هذا الوجه يجرى مجرى التمكين الّذي يحسن منه تعالى أن يفعله بمن يعلم أنه يعصى ولا يطيع . وقد مثّله أبو هاشم ، رحمه اللّه ، بزيادة الشهوة ، وقال : إذا جاز أن يفعلها تعالى في القبيح ويكون الامتناع منه أشق ، وإن كان المعلوم / أن المكلف عند ذلك يقدم على القبيح ، ولو كانت ( مما ) يزيد حقيقة كان لا يقدم عليه ؛ فكذلك لا يمتنع منه في دعاء إبليس ، لأن عند دعائه تصير دواعي المكلف أقوى إلى القبيح فيكون امتناعه عليه أشق « 1 » . فإن قال : إن المكلف كما يتغير حاله بزيادة الشهوة وبدعاء إبليس ، فكذلك لا يمتنع أن تتغير حاله بعدم اللطف ، لأنه عند ذلك يكون الفعل أشق ، كما أن عند الأمرين اللذين قدمناهما يكون الامتناع من القبيح أشق . فإن جاز فيهما ما ذكرتم ، فهلا جاز مثله في اللطف الّذي قدمنا ذكره ؟ قيل له : إن المكلف عند زيادة الشهوة لا يصح « 2 » منه الامتناع عن القبيح إلا على الوجه الشاق ، فلا يجوز أن يكلف الامتناع منه على وجه سواه . وليس كذلك حال المكلف عند عدم اللطف ، لأن الفعل يصح منه على الوجه الّذي يقع عند وجود اللطف وعدمه . فيجب أن يكون الحال فيه على ما وصفناه من قبل .

--> ( 1 ) الأفضل : أشق عليه . ( 2 ) لعلها لا يقع ، ولا مانع من قراءتها يصح : أي يصح الامتناع بأن يكون امتناعا صادقا .