القاضي عبد الجبار الهمذاني

180

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كلفه على وجه الفرض فقط ، أدّى إلى أن ينتج له في الوجه الآخر اعتقاد أنه لا صفة له يقتضيها « 1 » التكليف ، وذلك لا يحسن . وإن كلف على وجه النفل فقط ، اقتضى كونه غير مكلف لما هو صلاح له . فيجب فيما هو هذا حاله أن لا يكلف العبد أصلا . وإن كان متى لم يكلف ذلك أدّى إلى أن يكون قد كلف أمورا ولم يلطف له فيها ، فالواجب أن لا يكلف أصلا . / وهذه الجملة تبين أن بناء المسألة على هذا الوجه لا يصح ؛ لأن الإيمان في هذه القسمة لا يخلو من وجهين : إما أن يجب عليه تعالى أن يكلف على الوجهين ، أو يقبح منه أن يكلف على كلا الوجهين . فكيف يصح أن يقال كلفه على وجه دون وجه ، ولأنه لو كلف على أحد الوجهين وله لطف ، كان لا بدّ من القول بوجوبه ؟ فأما إذا قيل بأن الإيمان يقع على وجه واحد ، وإنما يختلف بوجود اللطف وعدمه ، فيكون مع عدم اللطف أشق ، والثواب فيه أكثر ، وإن كان لا يختاره ، ومع وجود اللطف أقل مشقة وثوابا - وإن كان المعلوم أنه لو كلف عليه كان يختاره - فبعيد . وذلك أنه لم يتخصص بوجهين يمكن الإشارة إليهما وتمييزهما بالدليل . وإذا لم يكن ذلك ، فكيف يقال إنه تعالى كلف على وجه دون وجه ويفسد بوجه آخر ؟ وذلك لأن المكلف لا طريق له إلى أن يعلم أنه تعالى يختار اللطف أو لا يختاره ، فلو كان كلّف على أحد الوجهين ، لكان قد كلّف على وجه لا طريق له إلى أن يميزه من الوجه الآخر ، وذلك يوجب قبح التكليف . فإن قال : إنما يجب قبح التكليف متى كان لأحد الوجهين على الآخر مزية . فأما إذا لم تكن هناك مزية ، لم يمتنع منه تعالى أن لا يلطف له إذا أراد منه على هذا الوجه .

--> ( 1 ) في الأصل : يقتضيه .