القاضي عبد الجبار الهمذاني

178

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل لكم : فيجب إذا لم يصح أن يكلف على هذا الوجه أن يقطع بأنه لا يكون على الوجه الآخر مصلحة البتة ، لأنه لا يعدو « 1 » حاله - لو كان مصلحة - من أن يكون مصلحة على الوجه الّذي ، الفرض يكون صلاحا عليه ، فكان يجب أن يخيّر تعالى بين إيقاعه على الوجهين أو يكون مصلحة على طريقة النفل ، فكان يجب أن يتعبّد به . فإذا كان التعبد لا يصح ، وجب القضاء بفساده ؛ وفي ذلك إبطال كونه مصلحة البتة . وهذا يوجب أن يلحق هذا القسم بالقسم الأول . واعلم أن أحد الوجهين إذا ساوى الآخر في حصول الوجه الّذي يكلف فيه ، لم يجز منه تعالى أن يكلفه تعالى على أحدهما دون الآخر ، كما لا يجوز في المصالح المتساوية أن يكلفه بعضها دون بعض ، لأن الوجه الّذي له يجب أن يكلف على أحد الوجهين قائم في الآخر ، كما تقوله في الفعلين . ولا معتبر بأن يكون لأحدهما مزية في باب الثواب ، لأنه لم يكلف لأجل تلك المزية ، وإنما كلف لكونه صلاحا . فلولا أن ذلك كذلك كان يجب في الأمور التي خيّر المكلف فيها أن لا يكون لبعضها مزية على بعض في باب الفضل والثواب . وقد علمنا أن الإنسان مخيّر في الكفارات الثلاث ، ولبعضها مزية على بعض ؛ وقد خير بين الصلاة وحدانا وجماعة ولأحدهما مزية ، وقد خيّر بين غسل الرجلين والمسح ولأحدهما مزية . والمساوى في ذلك كالمتقارب في أنه لا بدّ من أن يتناوله التكليف ، وإن كان المكلف لا بدّ - لأمر يرجع إلى الحكمة - أن يبين ما في أحدهما من المزية ليكون المكلّف عالما بذلك فيكون أقرب إلى أن يختاره ، كما لا بدّ من أن يبين صفة الفعل ليكون أقرب إلى أن يفعله ، وإن كان لو لم يبين ذلك

--> ( 1 ) في الأصل : يعدوا .