القاضي عبد الجبار الهمذاني
169
المغني في أبواب التوحيد والعدل
كان في الأوّل لو فعل المفسدة لدل على ذلك من حاله ، فكذلك فيما بعد . وهذه الطريقة توجب صحة هذه الدلالة التي أوردتها ، لأنه تعالى وإن لم يرد من المكلف فعل ما كلفه حالا بعد حال فكأنه مريد لذلك ، فإذا كان ما دعا إلى إرادته يدعو إلى فعل اللطف الّذي عنده يختار ، فيجب أن يريده حالا بعد حال ، ولا يجوز أن يريده إلا ويفعله ؛ لأنه تعالى لا يجوز أن يريد شيئا من أفعاله فلا يحدث . قيل له : إن موضع دليلك يمنع من نصرته بهذا الوجه ؛ لأنك أوجبت اللطف من حيث وجب / في الداعي إلى التكليف أن يكون داعيا إليه ؛ فإذا كان بعد التكليف لا يحصل مريدا لنفس ما كلف ، فكيف يقال يجب أن يكون مريدا للطف الّذي إنما يجب أن يراد على جهة التبع لإرادة نفس الفعل ؟ . وهذا يبين أنه لا يصح لك مثل ما أوردناه من نصرة دليل أبى على رحمه اللّه . واعلم أن هذه الطريقة لو ثبتت لما دلت على وجوب اللطف ، وإنما كانت تدل على أنه تعالى يفعله « 1 » لا محالة فقط . فأما أن تدل على وجوبه فبعيد : وذلك أنه لا يجب في كل ما حصل فيه وجه يقتضي أنه تعالى سيفعله أن يحكم فيه بأنه واجب ؛ لأنه تعالى إذا وعد بفعل شيء تفضلا ، يقطع على أنه يفعله ولا يصير داخلا في الوجوب خارجا من حيز الفضل . يبين ذلك أنه قد ثبت فيه جل وعز أنه يفعل بالكفار العقاب كما يفعل الثواب بالمؤمنين وأحدهما واجب دون الآخر وإن استويا في أنه سبحانه لا بد من أن يفعلهما . فإذا كان المقصد إبطال قول من يقطع على أنه تعالى قادر على ألطاف يفعلها بالمكلف فيؤمن لكنه لا يفعل ذلك ، أمكن أن يستدل بهذا الدليل عليه . ومتى كان المقصد إثبات وجوبه ، فالتعلق به بعيد ؛ وقد ذكرنا جملة ما فيه .
--> ( 1 ) في الأصل يفعلها .