القاضي عبد الجبار الهمذاني
168
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ونفس التكليف لا يجب في هذه الأحوال ، فبأن لا يجب أن يريد اللطف أولى ؛ لأنك جعلت إرادة اللطف كالتابع لإرادة ما كلف ، فكيف يصح الآن أن تجعلها أصلا يوجب وقوعها وإن لم تحصل إرادة التكليف ؟ فإذا كان إرادته التكليف أوّلا لا تقتضى إرادته / ( فيما ) بعد ، فبأن لا تقتضى إرادة ما لا يتم « 1 » معها أولى . فإن قال : إن إرادة المكلف فعل المكلف من شأنها أن تتقدّم . ففي أوّل التكليف يريد جميع ما كلفه في الأوقات ، وليس كذلك حال إرادة اللطف لأنها إرادة لفعله « 2 » ، ومن حقها أن لا تتقدّم ، لأن المتقدّم منها للفعل المبتدأ يكون عزما ، ولا يصح ذلك عليه تعالى . فلذلك قلنا إن الواجب أن يريد الألطاف في أوقاتها حالا بعد حال ، وإن كانت إرادة فعل ما كلف قد تقدّم في الأوّل . ولا يمنع ذلك من صحة ما ذكرته من أن الداعي إلى التكليف يجب أن يكون داعيا في سائر أوقات التكليف إلى ما عنده يختاره . قيل له : إن الفصل بين هاتين الإرادتين بما ذكرته وإن صح فليس بمخلص لك مما قدحنا به في دليلك ؛ لأنه يقتضي أن الداعي إلى إحداهما يدعو إلى الأحرى « 3 » ، وذلك يوجب أن يفعل إحداهما في الحالة التي يفعل فيها الأخرى . فأما فيما بعد فالدليل لا يتناوله . فإن قال : ألستم نصرتم دليل أبى على رحمه اللّه حيث قال : لو فعل تعالى بالمكلف ما يختار الكفر والفساد عنده لدل على أنه لم يرد صلاحه ؛ بأن قلتم إن إرادة الإيمان والصلاح وإن تقدّمت ، فحكمه تعالى من حيث كان « 4 » مكلفا حكيما في كل حاكم في أنه كان مريدا منه الإيمان والصلاح كحكمه في الأوّل ، فإذا
--> ( 1 ) في الأصل : معه . ( 2 ) أي لفعل اللطف . ( 3 ) في الأصل : الداعي إلى أحدهما يدعو إلى الآخر . ( 4 ) في الأصل : كأنه .