القاضي عبد الجبار الهمذاني

157

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : قد علمت أن منعه من سقى زرعه لو انفرد بهذا الوجه الواحد لقبح لا محالة من حيث يجرى مجرى المنع من الانتفاع بالحب ، فعلمت أنه وجه من وجوه القبح كما بينت ذلك في كون الكذب ظلما . قيل له : يجب أن يدل على ذلك بغير ذكر هذا المثال إذا وقع الخلاف فيه ، لأن من يعترض « 1 » هذا المثال يقول : لو لم يكن هذا المنع منعا من تصرفه في حقوقه لما قبح ، وإنما يقبح لهذه العلة ، فلا يتم لك بيان / ما ادّعيته إلا بذكر غيره من الأمثلة ( ) « 2 » . واعلم أنا قد بينا في غير موضع أن الغاية في المثال المذكور في الدليل لا يجب أن يكون قدحا فيه ، لأن الدليل قد يصح بلا مثال وقد يصح بأن يعدل عن مثال يتجه عليه الفساد إلى مثال صحيح . فإذا ثبت ذلك لم يكن الطعن فيه مفسدا للدلالة إلا أن لا تتم الدلالة إلا بذلك المثال كأن يكون مستنبطا منه ولا أصل لها « 3 » بسواه . فإذا ثبت ذلك فالدلالة التي أوردها رحمه اللّه صحيحة ، ويجب أن يجعل المثال فيها ما ذكره من دعاء المتخذ للطعام غيره إلى طعامه ، لأن ذلك في حكم التكليف من حيث أراد نفع غيره فالتزم بالدعاء والإرادة ، واتخاذ « 4 » الطعام تمكينه من تناول الطعام ودخوله الدار ، فإذا صار المنع مما عنده يختار كالمنع من تناوله الطعام ودخوله الدار ، فكذلك يجب فيه تعالى لو لم يفعل ما عنده يختار المكلف الإيمان . فإن قال : ما الّذي تريدون بالمنع في هذا الموضع وقد علمنا أن الداعي له إلى طعامه وداره لم يحصل مانعا له بأن لم يرفق به لأنه مخلّ « 5 » بينه وبين الفعل ، حصل الرفق أو عدم .

--> ( 1 ) اعترض فلان فلانا أي وقع فيه ، واعترض المثال هنا أي عارضه . ( 2 ) السطر كله مطموس . ( 3 ) أي للدلالة . ( 4 ) الاتخاذ كالأخذ أي التناول . ( 5 ) اسم فاعل من خلى ، وخلى بينه وبين الفعل أي لم يقم عوائق .