القاضي عبد الجبار الهمذاني

156

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يمنعنا منه كما ليس له أن يمنع مما كلفه مما بالتكليف قد ثبت أنه من حقوقه . يبين ذلك أنه لو شاهده يسقى ما ليس بزرع وما لا يؤدى في الظاهر إلى نفع لكان يقبح منه أن يمنعه لما ذكرناه لا لأن المنع من ذلك يجرى مجرى المنع من أمر آخر . ومتى صح ذلك قبح هذا المنع لهذا الوجه . فمن أين [ صار ] أنه إنما يقبح من حيث يجرى مجرى المنع من الانتفاع بالحب النابت ؟ فإن قال : إنما قلت ذلك لأن هذا / يقبح ، وبعض قبحه من حيث لا يختار تعالى عنده بالعادة نماء الزرع وحصول الحب . فلولا المنع مما يختار عنده ذلك لجرى مجرى المنع من الانتفاع به لما عظم هذا القبيح ، ولكان حاله كحاله إذا منعه من مثل هذا التصرف ، وهو لا يؤدى إلى النفع . قيل له : إن الّذي ذكرته إنما يوجب عظم القبيح ، وما يقتضي في القبيح ذلك لا يوجب أن يكون نفسه وجها لقبحه ؛ لأن العلم بالمعصية قد يعظم الإقدام عليها وإن لم يكن وجها لقبحها . فإن قال : أليس الكذب يعظم قبحه إذا كان ظلما ، ولو انفرد لكان وجها لقبحه ؛ فهلا صح ما ذكرته ؟ قيل له : إنا لم ننكر فيما يعظم به القبح أن يكون وجها لقبحه لو انفرد ، لكن ذلك يجب لدليل مستأنف لا من حيث عظم به القبيح ، لأنا قد بينا أن في جملة ما يعظم به ما لا يكون وجها لقبحه ولا يصح ذلك فيه . يبين ذلك أن وضع الطفل في مكان يبلغه البرد يقبح ويعظم من حيث يحدث موته بالبرد ، وإن كان ذلك يحسن من القديم تعالى . فقد صار القبيح يعظم لأمر قد يحسن فعله ؛ فكيف يقال فيما يوجب عظم القبيح إنه يكون وجها لقبحه ؟