القاضي عبد الجبار الهمذاني

144

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فلو قيل : إن اللطف من فعله تعالى لا يدل على أنه مريد للإيمان ، وإن كانت المفسدة لو وقعت تدل على أنه مريد للكفر ، لجاز ؛ وذلك أنه / تعالى من حيث كلف من قبل صار في الحكم كما ( ) « 1 » حال . فصار ما يفعله من حال بعد حال من الألطاف ( إنما ) يفعله من حيث كلف وأراد والتزم بذلك هذه الأفعال . وليس كذلك حال المفسدة ، لأنه تعالى لم يتقدّم منه ما يقتضي كونه مريدا للكفر والفساد ، بل تقدم ما يقتضي ضدّ ذلك وخلافه . فيجب أن لا يمتنع أن يدل ذلك - لو وقع منه - على أنه مريد لكفره وفساده ، لأنه لا يمكن أن يقال فيها « 2 » إنه يفعلها « 2 » لغرض قد تقدم ، فلا بد من أن يفعلها لغرض في الوقت ، وذلك يوجب ما قدّمناه من دلالتها على أنه مريد للكفر . وليس كذلك اللطف ، لأنه يمكن أن يقال إنه تعالى يفعله لغرض متقدّم يقتضيه ، فلا يجب أن يكون مريدا للإيمان في الحال . وليس كذلك الأمر حال الأمر بعد التكليف ، لأن من حق الأمر أن لا يكون أمرا إلا بالإرادة . فلذلك وجب أن يكون مريدا عنده ، وليس من حق اللطف أن لا يكون لطفا إلا بإرادة الإيمان . فمتى تقدّم منه تعالى ما يقتضي فعله لم يجز أن يحكم بأنه تعالى عند ذلك يريد الإيمان لا محالة . فإن قال : إن الّذي ذكرتموه من الشرائط في كون المفسدة دلالة من حال فاعلها على أنه مريد للفساد دعوى منكم ؛ فما الّذي يدل عليه ؟ قيل له : قد بينت أن الوالد يأمر ولده بالتعلم ويلزمه طريقة التأدب ويمكّنه من ذلك ، فيصير في حكم المكلف له ذلك ويلتزم بذلك استصلاحه

--> ( 1 ) مطموس . ( 2 ) لعلهما : فيهما ويفعلهما .