القاضي عبد الجبار الهمذاني
143
المغني في أبواب التوحيد والعدل
حكمة إذا قارنت اللطف والمصلحة ، لوقوعهما بالإرادة موقع ما يكون الترغيب فيها أكثر ، لأن المكلف متى علم أن مكلفه يريد منه ما كلفه حالا بعد حال عند استصلاحه له بالألطاف ، كان ذلك أقوى في بعثه على الطاعة ، فيكون لطفا من هذا الوجه . وليس لأحد أن يقول : إذا كان تعالى قد يريد منا الصلاة التي هي لطف في العقليات ، وإن لم يرد عند ذلك التكليف العقلي مع كونها مصلحة فيه ، فما الّذي يمنع من أن يفعل اللطف ولا يريد نفس الإيمان ؟ وذلك لأنه قد صح أنه متى أمر بعد التكليف ورغّب فلا بدّ من أن يريد ، وإن كان متى أمرنا وكلّفنا أن نأمر بالإيمان فلا يجب أن يريد ذلك « 1 » . وإنما يجب أن يريد منا نفس ما أمرنا به . فكذلك القول في الفصل بين اللطف من فعله ، وبينه من فعلنا فيما سألت عنه . وليس لأحد أن يقول : جوزوا أن يريد تعالى من المكلف الإيمان في كل حال ، وإن لم يفعل أمرا ولا لطفا ، لأن ذلك يكون أقوى في ترغيبه وبعثه « 2 » ؛ وذلك لأن الّذي ادّعاه غير معلوم ، كما لا يعلم أن الأصلح للمكلف أن يأمره حالا بعد حال وأن يفعل له اللطف حالا بعد حال . فإذا جاز في المرض أن يكون لطفا في وقت ، وفي وقت آخر مفسدة وإن كان الجنس لا يختلف ، فهلا جاز مثله في الأمر والإرادة ؟ وبعد ، فان الإرادة لا تدرك ولا تحس ، فلا يعرفها المكلف لو فعلها تعالى إلا إذا ظهر منه تعالى فعل يدل عليها ويقتضيها وهو الّذي ذكرناه من الأدلة المؤكدة والأمر والترغيب والألطاف .
--> ( 1 ) يفرّق بين الأمر بعد التكليف والأمر مع التكليف . ( 2 ) من بعث على كذا : أي حمل عليه ودعا إليه .