القاضي عبد الجبار الهمذاني

13

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وأطلقوا ، وإن كان في المتكلمين من جعله واقعا من جهة الاصطلاح على ما سألت عنه ، وسلم لنا أن الّذي ذكرناه واجب في الحكمة على المكلّف ، كانت المنازعة بيننا وبينه في الاسم . وإن هو نفى وجوب ما ذكرناه على المكلف ، كلمناه في وجوبه من جهة المعنى بما تمّ لنا مع خلافه في الاسم ، على حسب ما تمّ لو وافق فيه . فإذا كان الأمر كذلك فلا وجه للمضايقة في هذا الباب . وبعد ، فإن من جعل هذا الاسم للقدرة واعتقد أنها موجبة ، ثم وصفها / بأنها لطف وتوفيق ، فهو خارج عن اللغة والمعقول ، مع « 1 » مع ما ارتكبه من الخطأ العظيم . وذلك أن المعقول من اللطف ما يكون المكلف ( عنده أقرب ) لا ما عنده يجب أن يكون فاعلا لا محالة ، ومحال ألا يكون فاعلا ؛ ولذلك يستعملون هذه اللفظة في الرفق ( ) والمعونة وغير ذلك مما يأمرون به ، ولا يستعملونها في الآلات التي بها يتمكن من الفعل ، مع اعتقادهم أن الآلة لا توجب ، فكيف بها لو كانت موجبة ؟ وهذا يؤذن ببعد ما قاله القوم من جهة الاسم أيضا . فأما من جهة المعنى فقد بيّنا القول فيه ، وأنه لا سبيل لهم إلى إثبات اللّطف والدواعي ، لأن ، على قولهم بخلق الأفعال وإثبات القدرة الموجبة ، المكلف مصرف في الفعل وفي إرادة الفعل ، كما أن الجماد مصرّف فيما يحدث فيه من الحركات والسكنات ، وكما أن الحي مصرّف فيما يحدث فيه من حركات عروقه ومرضه وشهوته ، فكيف يصحّ مع هذا الاعتقاد أن يتكلموا في اللطف ؟ فأما استعمال ذلك في الثواب فبعيد لما بيّناه من طريقة الشبه باللغة ، وكيفية الاستعمال ، ولأن الثواب متقدّم للاستحقاق . ومن شأن اللطف أن يكون مستقبل

--> ( 1 ) في الأصل : « معما » .