القاضي عبد الجبار الهمذاني
127
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : لو دل ذلك من المكلّف على أنه مريد الفساد ، من حيث اختار فعل ما عنده ، يعدل المكلّف عن سنن الطاعة إلى سنن المعصية ، لوجب متى وقع من فعل غير المكلف أن يدل أيضا عليه ، لأن الدلالة لا تختلف باختلاف الفاعلين . قيل له : إنها وإن لم تختلف ، فغير ممتنع أن تدل على وجه ومع مقدّمة . فمتى وقعت مجردة عنهما أو على خلاف هذا الوجه الّذي لوقوعها « 1 » عليه تدل ، لم يحصل دلالة . ألا ترى أن المعجز متى وقع مع تقدّم الدعوى على وجه مخصوص دل ، ومتى وجد عاريا من ذلك لم يدل . والفعل المحكم على جهة الابتداء يدل على كون فاعله عالما ، ولا يدل مثله على جهة الاحتذاء . فإذا صح ذلك ، لم يجب من حيث قلنا : إن هذا الفعل من المكلّف يدل على أنه مريد الفساد والمعصية / بأن « 2 » يجب أن يدل ( ) « 3 » وغير ذلك يقع على وجه واحد منهما جميعا . فإن قال : أفتقولون إنه من غير المكلّف يقع على الوجه الّذي يقع من المكلّف ؟ قيل له : قد بينا ما يسقط في الجملة سؤالك ؛ وإنما يلزم الآن أن نبين على جهة الابتداء القول في ذلك ؛ فقد يقع على وجه يدل بأن يعلم غير المكلف من حال هذا الفعل أن زيدا يختار عنده طريقة المعصية ، ويعدل عنده عن طريقة الطاعة . فمتى علم ذلك من حال ما يفعله ، فإنه يدل على أنه مريد منه المعصية والفساد ، كما نقوله في هذا الفعل لو وقع منه تعالى . فأما إذا كان غير المكلّف يقدم على ما له هذه الصفة من الفعل - وهو لا يعلم أن المكلّف يختار عنده ما ذكرناه - فغير واجب أن يدل على ما ذكرناه « 4 » . ولو جاز في القديم تعالى ما هذا حاله - وهو غير عالم -
--> ( 1 ) في الأصل : « لوقوعه » . ( 2 ) لعلها « بل » . ( 3 ) مطموسة . ( 4 ) أي من أنه يريد الفساد والمعصية . وخلاصة الفقرة : أنه يستحيل على اللّه تعالى أن يفعل شيئا من شأنه أن يختار العبد عنده المعصية وهو عالم بحال العبد .