القاضي عبد الجبار الهمذاني
18
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وذلك قد يقرن بالسكوت ، فيقال : هذا الرجل ساكت متكلم . وقد يقال : هو فصيح اللهجة بليغ القول منطيق . ولا يراد بذلك أجمع حصول هذه المعاني في النفس . وقولهم : فلان يرتب الكلام في نفسه ثم يتكلم به . يعنون به أنه يرتب معنى الكلام ، وإلا كان قولهم « ثم يتكلم به » ناقضا له ، لأن ما رتّب وفعل لا يجوز أن يفعل من بعد . فقد صح أن ما أوردوه يبعد التعلق به . فإن قال : إن الّذي أشير إليه هو الفكر والنظر ، لأن ذلك هو الكلام ، وما سمع يدل عليه . قيل له : إن كنت إلى هذا أشرت فقد أخطأت في العبارة ، وأنت مصيب في المعنى ، وسبيلك سبيل من ادّعى أن / الحركة معنى في النفس وأشار إلى الإرادة . وقد علمنا أنّ الفكر لا نسبة بينه وبين العبارات ، فكيف يقال إنها دلالة عليه ؟ ولم صارت بأن تكون دلالة عليه أولى من أن تكون دلالة على العلم والإرادة ؟ وكيف يصح أن يوصف القديم سبحانه بأنه متكلم وله كلام ، ولا يوصف بالفكر ؟ وكيف يصح أن يقال : إن فلانا يتكلم من غير فكر ، إن كان الكلام هو الفكر ؟ وكل ذلك يبطل ما ذكره . فإن قال : أليس قد يفكر الرجل في الدلالة ولا يمكنه أن يعبر عنها حتى يديرها في النفس أولا ، فيجب إثبات واسطة بين الفكر والعبارة ، وهو الّذي يدّعيه . قيل له : إن ما ذكرته إمّا أن يكون فكرا تاما من حيث لم يوفّ النظر الأوّل حقه ، وظنّ أنه قد وفّاه حقه ، أو يكون فكرا في تلخيص العبارة عما عرفه ، والفكر في العبارة عن الدلالة غير « 1 » الفكر في الدلالة ؛ أو يكون فكرا في ترتيب ما علمه من جملة
--> ( 1 ) الأصل : « غير غير الفكر » .