القاضي عبد الجبار الهمذاني
19
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الدلالة ، لأنّ النظر في ترتيب الدلالة غير الترتيب فيها ، أو يفكر في استحضار ما علمه وفي جميع ما انتشر من خاطره ، أو يكون تذكرا لكيفية استدلاله وترتيبها ، والتذكر معرّى من التفكر ؛ أو يكون حديث النفس الّذي هو الكلام الخفىّ . وكل ذلك يبطل ما تعلقت به . ولهذه الجملة يسقط قولهم : إنّ الواحد منا قد يعلم الشيء ثم تتعذر عليه العبارة إلا بعد روية ، لأنّ الروية إنما يرجع بها إلى ما ذكرناه من الفكر أو الكلام الخفىّ . فإن قال : / إن من تتأتى منه العبارات يجب أن يفارق من تتعذر عليه ، ويختص بحال من كان عليها نسميه متكلما ، والمعنى الموجب له نسميه كلاما . وهذه طريقتكم في إثبات القدرة والعلم . قيل له : إن المورد للعبارة إنما يصح ذلك منه لكونه قادرا عالما ، كالصناعة والبناء ، ولا فرق بين من ادّعى له إثبات حال أخرى وبين من ادعى ذلك في سائر الأفعال المحكمة . وهذا يوجب القول بأن التجارة معنى في القلب ، وكذلك الكتابة والصناعة . ومن بلغ هذا الحد كفى الخصم المئونة في أمره ، على أن قوله : إن الكلام معنى في النفس ، كقول من قال في الصوت وسائر المدركات : إنها معان في النفس . ولو جاز لهم ذلك لجاز لآخر أن يقول : إن العبارة تنبئ عن معنى آخر في اللسان دون النفس . ولجاز أن يقال في أفعال القلوب : إنها تنبئ عن معان أخر فيها . وبعد . فقد ثبت أن الخرس يمنع من الكلام ، وكذلك السكوت ، فلو كان معنى في النفس لما منه ، كما لا يمنع الشلل الّذي يختص اليد من وجود معنى في النفس . وبعد . فلو كان الكلام معنى في النفس لم يصح أن يقال في العبارة : إنها تدل عليه ، لأنه لا نسبة بينها وبينه ولا تعلق ، ولم صارت بأن تدل عليه بأولى من أن