القاضي عبد الجبار الهمذاني
15
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإذا صحت هذه الجملة فمن ادّعى أن الكلام ليس هو هذا المعقول ، وأنه معنى في القلب ، ولم يشر به إلى سائرها عقلناه من أفعال القلوب ، فقد ادعى إثبات معنى لا سبيل إلى معرفته باضطرار ولا بدليل ، فيجب نفيه ؛ ولذلك ألزم الشيوخ قائل هذا القول تجويز إثبات معان أخر سوى ما قاله ، وأن يحصل ذلك المعنى الّذي في النفس منبئا عن الآخر ، فإن الأصوات أيضا « 1 » هي معنى في النفس دون هذا المعقول ، وأن هذا المعقول دلالة عليه ، وكذلك القول في سائر أجناس الأعراض . وفي ذلك إبطال ما عقلناه وعرفنا حكمه ، وإثبات ما لا سبيل إلى معرفته ، وفي هذا من الجهالات ما لا خفاء به . فإن قال : إني ادعى العلم بما ادعيته ضرورة ، وإنكم في نفيه بمنزلة من ينفى الإرادة أو العلم ، أو ينفى الأعراض أجمع . قيل له : إن الواحد منا يعقل ما يختص به من أحواله ، في كونه / مريدا وكارها وعالما ، ثم يستدل بجواز خروجه عن هذه الصفات على أنه يختص بها لمعان في قلبه ، وليس يصح ادّعاء « 2 » حال يعقلها يتوصل بها إلى إثبات ما ادعيته من الكلام ، لأن الكلام نفسه لا يدل على أمر آخر في القلب ينبئ عنه ، كما أن الحركة لا تنبئ عن معنى يختص به الفاعل ، سوى كونه قادرا . فإذا صح ذلك بطل ادعاؤك العلم الضروري بما تذهب إليه من إثبات معنى في النفس تسميه كلاما . وفارق حاله حال الإرادة والعلم إلى سائر ما ذكرته . فإن قال : إني أعلم باضطرار في قلبي معنى يطابق هذه الحروف ، وكل عاقل يعلمه من نفسه إذا خطر بباله الأمر ، ويحدث في نفسه بما يريد التكلم به ؛
--> ( 1 ) الأصل : « هو » . ( 2 ) الأصل : « اداعا » .