القاضي عبد الجبار الهمذاني

16

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإذا صح ذلك وجب إثباته . وهذا طريقكم في إثبات التمني ، معنى في القلب سوى القول المخصوص . قيل له : إن ما تدّعيه من معنى في النفس يطابق الحروف ليس بمعلوم ، وإن لم يرجع في إثبات التمني إلا إلى هذه الطريقة ، فحالنا كحالك فيه ، وإنما يثبت الخاطر معنى لأنه كلام خفى ، وكذلك حديث النفس ، وذلك مما يتبينه الإنسان ، وربما يلتبس عليه الفكر في حروف الكلام بحديث النفس ، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون هو هذا الكلام المعقول ، وإن كان خفيا بالتفكر فيه . يوضح ذلك أن من يحدّث نفسه لو حبست أنفاسه لتعذّر ذلك عليه كتعذر الكلام ، ولو رام إظهاره لصار كلاما مسموعا ، ولا يبعد عندنا ، وهو على ما هو به ، أن تسمعه الجن والملائكة كما يسمع بعضهم كلام بعض ، وإن لم تسمعه لخفائه . وقد يحدّث نفسه ببناء دار فيظن أنها مصوّرة في نفسه ، ولا يوجب ذلك كون البناء معنى في النفس يطابق البناء نفسه ؛ فكذلك القول في الكلام : إنه قد يتفكر فيه ويرتبه في النفس كالبناء ، وإن لم يكن سوى المسموع . فإن قال : أليس العقلاء أجمع يقولون : إن في نفسي كلاما سأقوله أولا أقوله لك ، وفي نفس فلان كلام يخفيه ولا يبديه . وقد قال اللّه عز وجل : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ « 1 » فأثبت في القلب قولا . وقد يقال : فلان يتكلم ، وإن كان في الحال ساكنا . ويقال : فلان يرتب الكلام في نفسه ثم يتكلم به . وفلان يبتدئ الكلام من غير روية . وكل ذلك يبين أن العقلاء يعلمون أن في أنفسهم كلاما سوى المسموع .

--> ( 1 ) الآية 11 من سورة « الفتح » .