القاضي عبد الجبار الهمذاني

6

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في ذكر حقيقة الكلام وما يتصل به من غيره تحديد الشيء فرع على العلم به ، لأنه إنما يقصد بتحديده حصره على وجه لا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا يخرج عنه ما هو منه ؛ ولذلك لا يصح أن يحدّ الجسم بأنه المختص بالطول والعرض والعمق إلا بعد العلم بما هذه حاله ؛ ولا يجوز أن يحدّ القادر بأنه الّذي يختص بصحة الفعل منه مع السلامة ، إلا وقد علمنا بالدليل من هذه حاله ومفارقته لغيره . فإذا صح ذلك وثبت أن الكلام يعلم ضرورة من جهة الإدراك ، لأنه من أوضح ما يدرك من الأشياء ، فيجب أن يصح هنا بيان حدّه وحقيقته . والّذي نختاره في حدّ الكلام : أنه ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة ، حصل في حرفين أو حروف . فما اختص بذلك وجب كونه كلاما ، وما فارقه لم يجب كونه كلاما . وإن كان من جهة التعارف لا يوصف بذلك ، إلا إذا وقع ممن يفيد أو يصح أن يفيد ، فلذلك لا يوصف منطق الطير كلاما ، وإن كان قد يكون حرفين أو حروفا منظومة . والأصل في هذا الباب أنّ جنس الصوت قد يختلف الوجه الّذي يحدث عليه ، فقد يكون صوتا مفيدا غير مقطّع ، وقد يكون مقطّعا في جنس واحد ، وقد يكون مقطعا في جنس على وجه يتصل تارة في الحدوث وينفصل أخرى ، وقد يحدث على وجه يكون حرفا وحروفا . وقد يحدث على وجه لا يوصف / بذلك ، كصرير