القاضي عبد الجبار الهمذاني

194

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ارادته بحسبها في أنها متناهية . وكذلك ما يريده من فعل المكلف لا بد من كونه متناهيا ، وتناهيه يوجب تناهى ارادته . ولا يجب أن يريد ما يفعله في المستقبل ، حتى يقال إنه إذا قدر على ما لا نهاية له من الأفعال التي يحدثها في المستقبل ، فيجب أن يريدها ، وانما يريد ما يحدثه في الحال ، أو ما يجرى مجراه . فإذا صحّ ذلك بطل القول بوجود إرادات لا نهاية لها ، على قولنا انه مريد بإرادة محدثة . وانما ألزمنا من قال إنه سبحانه عالم بعلم محدث اثبات علوم لا نهاية لها ، لأن المعدومات كالموجودات في أنها معلومة ، وأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في وجوب العلم به . وليس كذلك حال المراد ، لأن ما دعاه الداعي إلى فعله هو الّذي يجب أن يريده دون غيره . وذلك متناه . فكيف يجب القول بأن ارادته يجب أن لا تتناهى إذا كان مريدا بإرادة محدثة ؟ وهل هذا القول الا كقول من أوجب حدوث أمر لا يتناهى أو نهى لا يتناهى ، أو محبة لا تتناهى ، أو رضا لا يتناهى ؟ فإذا لم يجب ذلك عند مخالفتنا ، فكذلك لا يجب ما قالوه . على أنّ الواحد منا إذا وجب أن يريد ما يفعله مفصلا ، ولم يؤد ذلك إلى أن يريد جميع مقدوراته بإرادة واحدة ، ولا وجب اثبات إرادات له لا نهاية لها ، فكذلك القول في القديم تعالى . فان قيل : انما صحّ ذلك فيها لأنا نريد أفعالنا على جهة الجملة والقديم تعالى يجب أن يريد أفعاله مفصلة . قيل له : ان مفارقتنا له في هذا الوجه لا تؤثر فيما ألزمناكه في ابطال علتك . وبعد ، فإنه تعالى وان أراد أفعاله مفصلة جزءا فجزءا فهي متناهية ،