القاضي عبد الجبار الهمذاني

195

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كما أن ما يريده من جملة أفعاله متناهية . ولا فصل بيننا وبينه الا من حيث كانت ارادته يجب أن تكون أكثر من إرادتنا لزيادة مراداته ، ولتناول الإرادة لها على التفصيل مما في هذا مما نقدح به فيما ألزمناهم . واعلم أن القديم تعالى يجب أن يريد كل جزء من فعله ، لأنه تعالى عالم به ، وبالفصل بينه وبين غيره ، فيجب أن يريد احداثه . وليس لإرادة احداثه حكم يتعلق بجملة منه دون آحاده . فأما ارادته لأفعاله التي يصير بها الفعل على بعض الوجوه ، فيجب أن يريد الجملة التي تختص بالحكم الّذي تقتضيه الإرادة بإرادة واحدة ، ولا يجب أن يريد كل جزء منه ، وذلك نحو ارادته الخبر والأمر والخطاب ، إلى ما شاكله . فانّ الدلالة قد دلت على أن جملة الحروف تصير خبرا بمقارنة الإرادة لأول حرف منه . فأما الثواب والعقاب فإنه يريد كل جزء منه ، لأن ما يقتضي كونه ثوابا أو عقابا يرجع إلى آحاده ، فالإرادة المتناولة يجب أن تتعلق بكل جزء منه ، كما يجب ذلك في كلامه . وأما ارادته لأفعال العباد فيجب أن تتناول احداث كل جزء منه ، ولذلك يحصل كل جزء منه طاعة ومرادا ، وانما تكون طاعة من حيث وقعت ، وقد أرادها تعالى . وانما تختص جملة من أفعال العباد باحكام لأمر يرجع إلى ارادتهم ، وليس كذلك حال الواحد منا ، وذلك لأنه تعالى يعلم أفعاله على جهة الجملة ، ولا يميز أجزاءها ، فغرضه متعلق بجملها ، فيجب أن يريدها على هذا الحد ، وان كان قد أريد بعض أفعاله مفصلة جزءا جزءا نحو أفعال القلوب . وهذه الجملة قد اشتقت عن الأصل في هذا الباب ، وبان بها سقوط الشبهة .