القاضي عبد الجبار الهمذاني

9

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وصفت بأنى مريد ، ومتى اعتقدت في الفعل ضررا صرفنى عنه كنت كارها ، فلا أثبت حالا للمريد والكاره سوى ما ذكرته . قيل له : انّ العالم بأنّ له في الشيء نفعا قد يبقى عالما به أوقاتا كثيرة « 1 » ولا يريده ، ثم يريده ، فيتبين الفصل . والعالم بأنّ في الشيء ضررا ، قد يدوم كونه كذلك ولا يكرهه ، ثم يكرهه ، فيفصل بين حالتيه فصلا ظاهرا ، كما يفصل بين كونه عالما ومدركا ومشتهيا . فدفع ذلك يبلغ بدافعه كل جهالة . وبعد ، فانّ حاله في كونه عالما وظانا ومعتقدا تتفاوت « 2 » وتختلف ، وحاله في « 2 » كونه مريدا لا تختلف . وقد تختلف دواعيه تارة وتتقابل ، وتتفق أخرى ، وحاله في كونه مريدا قد لا / تختلف . وقد يلزمه أن يريد ما ينتفع به آجلا ، وتحنّ نفسه إلى ما ينتفع به عاجلا . وقد يعلم من حال غيره كالذي يعلمه من حال نفسه ، ولا يريد من غيره ما يريده « 3 » من نفسه . فكيف يقال انّ حال المريد هي حال العالم ؟ ولا يمكن أن يقال : انّ حاله في كونه مريدا هي حاله في كونه مشتهيا ، لأنه قد يريد ما يضره عاجلا ، وما لا يدرك البتة ، وما يصل إلى غيره ، وما لا يصل إليه ؛ ويريد ما يعتقده ، وان لم تكن له حقيقة . وقد تلزمه ارادته ما ينفر طبعه عنه ، وكراهة ما يشتهيه ، وكل ذلك يوجب مفارقة حاله بكونه « 4 » مريدا لحاله في كونه مشتهيا ، لأنّ أقوى ما نفصل به بين الحالين ، صحة حصول كل واحدة منهما دون الأخرى .

--> ( 1 ) كثيرة : ساقطة من ص ( 2 ) وتختلف وحاله في : وتختلف حاله وفي ص ( 3 ) يريده : يريد ط ( 4 ) بكونه : في كونه ط