ابن كثير

450

معجزات النبي ص

أما تسخير الريح لسليمان فقد قال اللّه تعالى في شأن الأحزاب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) « 1 » . وقد تقدم في الحديث الّذي رواه مسلم من طريق شعبة عن الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ، ورواه مسلم من طريق الأعمش عن مسعود ابن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله . ثبت في الصحيحين : نصرت بالرعب مسيرة شهر . ومعنى ذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى اللّه الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر ، . ولو كان مسيرة شهرا ، فهذا في مقابلة : غدوها شهر ورواحها شهر ، بل هذا أبلغ في التمكن والنصر والتأييد والظفر ، وسخرت الرياح تسوق السحاب لا نزال المطر الّذي امتن اللّه به حين استسقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غير ما موطن كما تقدم ، وقال أبو نعيم : فإن قيل : فإن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد اللّه وكان غدوها شهرا ورواحها شهرا . قيل : ما أعطى محمد صلى اللّه عليه وسلم أعظم وأكبر ، لأنه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر ، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف سنة ، في أقل من ثلث ليلة ، فدخل السماوات سماء سماء ، ورأى عجائبها ، ووقف على الجنة والنار ، وعرض عليه أعمال أمته ، وصلى بالأنبياء وبملائكة السماوات ، واخترق في الحجب ، . وهذا كله في ليلة قائما ، أكبر وأعجب . وأما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 9 .