ابن كثير

413

معجزات النبي ص

رَمِيمٌ ( 78 ) « 1 » فأنزل اللّه تعالى البرهان الساطع : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) « 2 » فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته . قلت : وهذا أقطع للحجة ، وهو استدلاله للمعاد بالبداءة ، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، قادر على إعادتهم كما قال : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) « 3 » أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى : بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) « 4 » وقال : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ « 5 » هذا وأمر المعاد نظري لا فطرى ضروري في قول الأكثرين ، فأما الّذي حاج إبراهيم في ربه فإنه معاند مكابر فإن وجود الصانع مذكورا في الفطر ، وكل واحد مفطور على ذلك ، إلا من تغيرت فطرته ، فيصير نظريا عنده ، وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات ، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الّذي يحيى الموتى ، لا يقبله عقل ولا سمع ، وكل واحد يكذبه بعقله في ذلك ، ولهذا ألزمه إبراهيم بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وكان ينبغي أن يذكر مع هذا أن اللّه تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما بارز النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، فقتله بيده الكريمة ، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا ، فقالوا له : ويحك ما لك ؟ فقال : واللّه إن بي لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين : ألم يقل : بل أنا أقتله ؟ واللّه لو بصق على لقتلني - وكان هذا لعنه اللّه قد أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : بل أنا أقتله إن شاء اللّه - فكان كذلك يوم أحد .

--> ( 1 ) سورة يس ، الآية : 78 . ( 2 ) سورة يس ، الآية : 79 . ( 3 ) سورة يس الآية : 81 . ( 4 ) سورة القيامة ، الآية : 40 . ( 5 ) سورة الروم ، الآية : 27 .