ابن كثير
414
معجزات النبي ص
ثم قال أبو نعيم : فإن قيل : فإن إبراهيم عليه السلام كسر أصنام قومه غضبا للّه ، قيل : فإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كسر ثلاثمائة وستين صنما ، قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس ، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوى من غير أن يمسها ، ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) « 1 » فتساقط لوجوهها ، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل ، وهذا أظهر وأجلى من الّذي قبله . وقد ذكرنا هذا في أول دخول النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها ، بما فيه كفاية ، وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام تساقطت أيضا لمولده الكريم ، وهذا أبلغ وأقوى في المعجز من مباشرة كسرها ، وقد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة ، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة ، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة ، وأما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم عليه السلام ، فلم يذكر أبو نعيم ولا ابن حامد . وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه ، من إحياء أموات بدعوات أمته ، وحنين الجذع ، وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه ، وتكليم الذراع له وغير ذلك . وأما قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) « 2 » والآيات بعدها ، فقد قال اللّه تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 1 ) « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 81 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 75 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 1 .