ابن كثير
391
معجزات النبي ص
وقال : يا معشر المسلمين ، هل ذهب لأحد منكم شيء فأدعو اللّه تعالى يرده ؟ . فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء ، هي معجزات لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم تقريره ؛ لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته ، ويمن سفارته ، إذ فيها حجة في الدين ، أكيدة للمسلمين ، وهي مشابهة نوح عليه السلام في مسيره فوق الماء بالسفينة التي أمره اللّه تعالى بعملها ، ومعجزة موسى عليه السلام في فلق البحر ، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك ، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل ، ومن جهة أنه ماء جار والسير عليه أعجب من السير على الماء القار الّذي يجاز ، وإن كان ماء الطوفان أطم وأعظم ، فهذه خارق ، والخارق لا فرق بين قليله وكثيره ، فإن من سلك على وجه الماء الخضم الجاري العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم ، أو لم يصل إلى بطونها ، فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة ، أو أن يكون نهرا أو بحرا ، بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطف والسيل الجاري ، أعظم وأغرب ، وكذلك بالنسبة إلى فلق البحر ، وهو جانب بحر القلزم ، حتى صار كل فرق كالطود العظيم ، أي الجبل الكبير ، فانحاز الماء يمينا وشمالا حتى بدت أرض البحر ، وأرسل اللّه عليها الريح حتى أيبسها ، ومشت الخيول عليها بلا انزعاج ، حتى جاوزوا عن آخرهم ، وأقبل فرعون بجنوده فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 ) « 1 » وذلك أنهم لما توسطوه وهموا بالخروج منه ، أمر اللّه البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم ، فلم يفلت منهم أحد ، كما لم يفقد من بني إسرائيل واحد ، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات ، كما بسطنا ذلك في التفسير وللّه الحمد والمنة . والمقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرمي ، وأبى عبد اللّه الثقفي ، وأبى مسلم الخولاني ، من مسيرهم على تيار الماء الجاري ، فلم
--> ( 1 ) سورة طه ، الآيتان : 78 ، 79 .