الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

95

المعاد وعالم الآخرة

من غيرها - بحيث تولد النار إن دلكت بإحكام مع بعضها . ولهذا السبب تحدث أحياناً الحرائق الهائلة الواسعة في الغابات دون أن يكون للإنسان أي دخل فيها ، ولم تكن النار إلّا وليدة الرياح التي ولدت‌إحتكاكاً بين أغصان الأشجار اليابسة فانبعثت منها ، ثم أسهمت إستمرارية الرياح في اتساع رقعة النار وانتشارها ، وهذه هي الجدحة الكهربائية التي تظهر إثر الاحتكاك ، وهي تلك النار الكامنة في الواقع في مركز كافة ذرات كائنات العالم ( حتى في الأشجار والمياه ) وتبرز في الظروف المعينة ، فتنبعث « النار » من « الشجر الأخضر » ! يبدو هذا المعنى أوسع حيث يجسد لنا جمع الأضداد في الخليقة ويدل على البقاء في الفناء . أمّا التفسير العميق الذي توصلنا إليه بفضل العلوم المعاصرة فهو عودة الطاقة المدخرة لضوء الشمس حين تركيب السليلوز النباتي ( من الكاربون والأوكسجين والهيدروجين ) والتي تنبعث عند إحراق الخشب والحطب وتحليل السليلوز وتركيب كاربونه باوكسجين الهواء وهذا هو الضوء والحرارة اللطيفة التي تفيض الدفىء في فصل الشتاء في ذلك الكوخ وسط القرية وتضيئه ، فقد قامت قيامتها ، وهو يفقد الآن كل ما إختزنه من حرارة طيلة عمر دون أي نقص ، بحيث لم ينقص منها حتى إشعال شمعة في لحظة ( عليك بالدقة ) . لا شك أنّ هذا المعنى لم يكن متصوراً حين نزول الآية من قبل عامة الناس ، ولكن كما قلنا فإنّ هذا الأمر ليس مدعاة لأية مشكلة ، لأن لآيات القرآن عدّة معان تختلف باختلاف المستويات وتبعاً للإدراكات في العصور والقرون المختلفة . فمن عاصر القرآن كان يفهم شيئاً منه ، وتفهم اليوم نحن شيئاً أكثر من ذلك .