الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

29

المعاد وعالم الآخرة

المتجذرة التي لاتنفصل عن البشر قط ، قطعاً لها نواة غريزية وفطرية ، ومن هناك كانت دائمية خالدة . وقد صرّح عالم الاجتماع المعروف « صاموئيل كونيغ » قائلًا : تفيد الآثار التي عثر عليها العلماء في الحفريات أنّ أسلاف الإنسان المعاصر أي إنسان النياندرتال كانت لهم ديانة بدليل أنّهم كانوا يدفنون أمواتهم بطريقة خاصة ، كما كانوا يدفنون إلى جانبهم وسائلهم وأدواتهم ، وهكذا يعلنون إيمانهم بوجود عالم آخر بعد الموت . « 1 » نعلم أنّ إنسان النياندرتال عاش قبل عشرات آلاف السنين ، حين لم يخترع الخط حتى ذلك الوقت ولم يبدأ التاريخ البشري ، صحيح أن لا جدوى من هذه الوسائل والأدوات في حياة ما بعد الموت مهما كانت ، إلّاأنّ المراد هو أنّ هذه الأعمال تشكل شهادة على إيمان أسلاف الإنسان المعاصر بحياة ما بعد الموت . ويبدو أنّ المصريين كانوا قد سبقوا سائر الأقوام في هذا المجال ، إذ يقول المؤرخ المعروف « آلبرماله » من بين تواريخ الأقوام يمتاز تاريخ الأقوام المصرية بأنّه أقدم الجميع ، حيث يذكر حوادث وقعت لما قبل أكثر من خمسة آلاف سنة . « 2 » فالتاريخ المصري العريق يشير إلى أنّ الأقوام المصرية كانت راسخة الإعتقاد بحياة ما بعد الموت ويرون لها أهميّة خاصة ، وإن لم تسلم عقائدهم - وكسائر الأقوام - من الأباطيل والخرافات . ويسرد المؤرخ المذكور قضية رائعة تنطوي على عدّة فوائد ، فقد ذكر أنّ

--> ( 1 ) . عالم الاجتماع صاموئيل كونيغ ، ص 291 ( 2 ) . تأريخ آلبرماله - تأريخ أقوام الشرق ، ج 1 ، ص 15