الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
122
المعاد وعالم الآخرة
لا داعي لهذا التعطيل . . . لأنّ حوادث العالم ظهرت هناك سابقاً . توضيح ذلك : كما تتألف روحنا من جهازين « تلقائي » و « غير تلقائي » فإنّ القوانين الكبرى للعالم قد تبلورت في مجالين ؛ قوانين الخلق « التكوين » وقوانين التعاقد « التشريع » وكأنّ القوانين الأولى تشكل جهازنا الروحي التلقائي والثانية غير التلقائي . فقوانين الخلق تشق سبيلها دون إرادتنا وعزمنا وتوجهنا ، وهي على غرار أجهزتنا التلقائية التي لا تكترث لإرادتنا ، أمّا القوانين التشريعية وما يتعلق بالتربية والتعليم فهي تابعة لإرادتنا ، وممّا لاشك فيه أنّ كل قانون بصفته قانوناً سماوياً أوحي للنبي قد كانت له جذور في الخليقة وقد صودق من قبل مجلس الخليقة ، والحقيقة هي أنّ هذين الجهازين هما الخيوط الأصلية لنسيج الوجود ، فهل يمكن لخيوط قماش أن تتضارب مع بعضها ؟ قطعا لا . وإلّالما كان هناك قماش ولابدّ أن تكون مكملة لبعضها البعض للحصول على قماش جميل ، على سبيل المثال وجودنا في هذا العالم دون علم يحيله إلى خواء لاروح فيه وليس له من قيمة ، ومن هنا فإن عصب عالم الوجود تكاتف ليسوقنا نحو العلم والمعرفة . فقد طرح بادىء الأمر حبّاً شديداً في أعماق روحنا بحيث لاينفصل عنّا لحظة من المهد إلى اللحد ، فأحياناً بمطالعة المجرّات وأخرى بما يجري في المريخ ويوماً بخلايا أبداننا وآخر بأسرار أعماق البحار والمحيطات والغابات ، والخلاصة إنّ هذا المحرك التلقائي لا ينفك عنّا لحظة واحدة . والطريف إنّنا نشاهد في التعاليم الدينية شبيه ذلك تجسيداً لنداء الخلقة والفطرة : « اطْلِبُوا الْعِلْمَ مِنَ الْمَهْدِ الَى الْلَّحْدِ » « 1 » .
--> ( 1 ) . نهج الفصاحة ، الحديث 367 .