فخر الدين الرازي
67
المطالب العالية من العلم الإلهي
قالوا : الدليل دل على أن غير اللّه لا يقدر على خلق الجسم والحياة . وتقرير ذلك الدليل ، أن نقول : لو قدر أحد من الخلق على ذلك ، لكان ذلك القدر . إما أن يكون قادرا لذاته ، وإما أن يكون قادرا بالقدرة . والقسمان باطلان ، فبطل القول بكون أحد من الخلق قادرا على خلق الجسم ، وعلى خلق الحياة ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قادرا لذاته ، لأن ذلك القادر لا بد وأن يكون جسما - والأجسام متماثلة - فلو كان الجسم « 1 » قادرا لذاته ، لكان كل جسم كذلك . ضرورة أن حكم الشيء حكم مثله . ولما بطل هذا ، علمنا : أنه لا يجوز أن يكون قادرا لذاته . وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قادرا بالقدرة . لأن القدرة لا تصلح بفعل الجسم . ويدل عليه وجهان : الأول : إن القدرة التي لنا ، لا تصلح لفعل الأجسام ، فهذا الامتناع حكم مشترك فيه بين القدرة التي لنا . والحكم المشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك فيه . وما ذاك إلا كونها قدرا . فثبت : أن كون القدرة قدرة : مانعة من صلاحية إيجاد الجسم . فوجب أن تكون كل قدرة كذلك . الثاني : إن كل قدرة نفرضها . فهي إما أن تكون مثلا لهذه القدرة الحاصلة لنا ، أو مخالفا لها . فإن كانت مثلا لهذه القدرة ، وجب أن لا تكون صالحة للإيجاد . كما أن هذه القدرة غير صالحة للإيجاد . ضرورة أن حكم الشيء [ حكم « 2 » ] مثله . وإن كانت مخالفة لهذه القدر ، لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . فلما كانت هذه القدر مع كون بعضها مخالفا للبعض ، لا يصلح للإيجاد . فكذلك تلك القدرة المفروضة ، وجب أن لا تصلح للإيجاد . هذا حاصل ما لخصه القوم ، وعولوا عليه ، في أن فاعل المعجزات هو اللّه تعالى . وهو كلام في غاية الرخاوة والسقوط . فنقول : لم لا يجوز أن يكون
--> ( 1 ) في الأصل ( جسم ) والتصحيح ص ( م ) . ( 2 ) زيادة .