فخر الدين الرازي

59

المطالب العالية من العلم الإلهي

ووقوع الترجيح ، وإن كان لا يحصل إلا في ذلك الوقت ، إلا أن المفهوم من قولنا : سيترجح : كان حاصلا في الأزل . [ فهذا المفهوم لما كان حاصلا في الأزل « 1 » ] وجب أن يحصل له ما يقتضي حصوله . لكن المقتضي لحصوله ، ليس هو ذاته ، وإلا لكان واجب الحصول لذاته . ولا قدرة العبد ، ولا إرادته ، لأن كل ذلك معدوم . فوجب أن يكون المقتضي له : هو قدرة [ اللّه « 2 » ] وإرادته . وذلك يقتضي أن يكون وقوع أفعال العباد بقدرة اللّه وإرادته . فإن لم تكن قدرة اللّه وإرادته ، يقتضيان ما هو المفهوم من قولنا : إن الفعل الفلاني سيترجح في الوقت الفلاني ، وليس له نقيض آخر . وجب أن لا يحصل هذا المفهوم . وإذا لم يحصل هذا المفهوم ، كان [ اعتقاد « 3 » ] حصوله جهلا . فثبت : أن « 4 » على هذا التقدير أنه تعالى لو لم يكن موجدا لأفعال [ العباد « 5 » ] ولا لما يكون موجبا لأفعال العباد ، لامتنع كونه تعالى عالما بوقوعها في الأزل . ولما كان هذا باطلا ، ثبت أن الحق ما ذكرناه . واعلم : أن هذه النكتة إنما استنبطناها من مسألة حكمية . وهي : أن الجزم بوقوع الممكن ، لا يمكن إلا بواسطة العلم بعلته وموجبه . وبالله التوفيق البرهان السادس اعلم : أن هذا البرهان لا يمكن تقريره ، إلا بعد تقديم مقدمة في حقيقة المتناقضين . فنقول : إنهما القضيتان اللتان يجب لذاتهما أن تكون إحداهما صادقة ، والأخرى

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) سقط ( ط ) . ( 4 ) أن أحد التقدير ( ط ) . ( 5 ) من ( ط ، ل ) .