فخر الدين الرازي

53

المطالب العالية من العلم الإلهي

الإيمان ، لكان لهم أن يقولوا : لما اعترفت « 1 » بأن اللّه علم الكفر منا ، وأخبر عن حصول الكفر فينا - وهذا من أعظم الموانع لنا عن الإيمان - فلم يطلب المحال منا ؟ ولم يأمرنا بالمحال ؟ ومعلوم : أن هذا مما لا جواب للّه و [ لا « 2 » ] لرسوله عنه ، لو « 3 » ثبت : أن العلم والخبر يمنع عن الإيمان . السادس : إنه تعالى قال : فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ « 4 » ولو أنه أمر بالإيمان ، مع حصول المانع منه : لما كان « فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ » بل كان بئس المولى وبئس النصير . ومعلوم : أن ذلك : كفر . فثبت بهذه الوجوه : أن علم اللّه بعدم الإيمان ، وخبره عن عدم الإيمان : لا يدل على كون ذلك الإيمان ممتنع الحصول . وأما الجواب على سبيل التفصيل : فاعلم : أن للمعتزلة فيه طريقين : الأول : طريقة « أبي علي » و « أبي هاشم » و « القاضي عبد الجبار بن أحمد » وهي أن قالوا : إن قول القائل : لو وقع خلاف معلوم اللّه ، لانقلب علم اللّه جهلا . قالوا : خطأ من يقول : إنه ينقلب علمه جهلا . لأن هذا تعليق للمحال بالممكن . فإن انقلاب علم اللّه جهلا محال . ووقوع علم اللّه أنه لا يقع ممكن . فقولنا : لو وقع ما علم اللّه أنه لا يقع تعليق المحال بالممكن . فكان خطأ . وخطأ أيضا : قول من يقول : إنه لا ينقلب جهلا . ولكن يجب الإمساك عن القولين . الثاني : طريقة « الكعبي » واختيار « أبي الحسين البصري » وهو أن العلم تبع للمعلوم . فإذا فرضنا أن الصادر من العبد هو الإيمان ، كان الحاصل في أزل اللّه تعالى هو العلم بوجود الإيمان . وإذا فرضنا أن الواقع منه هو عدم

--> ( 1 ) اعترافنا ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) ولو ( ط ) . ( 4 ) سورة الحج ، آية : 78 .