فخر الدين الرازي
375
المطالب العالية من العلم الإلهي
واعلم : أن أصحابنا حكوا عن هؤلاء الأكابر ، ضد ما حكاه المعتزلة أ - فروى القاضي أبو بكر في كتاب الهداية : أن عمر بن الخطاب خطب فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر في تحميده : « من يهدي « 1 » اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل اللّه فلا هادي له » والجاثليق بين يديه ، فأنكر « الجاثليق « 2 » » ذلك بلسانه . فقال : ما يقول ؟ فقالوا : يزعم ؛ أن اللّه يهدي ولا يضل فقال عمر : « كذب عدو اللّه ، بل اللّه خلقك ، وهو أضلك ، وهو يدخلك النار » . ب - وروي أيضا عن الشعبي عن علي رضي اللّه عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة . فقال : « ليس منا من لم يؤمن بالقدر ، خيره وشره » . ج - وقد اشتهر عن علي رضي اللّه عنه أنه حين أراد حرب أهل الشام . قال : شمرت ثوبي * ودعوت قنبرا قدّم لوائي * لا تؤخر حذرا لن يدفع الحذار * ما قد قدرا قال القاضي أبو بكر - رحمه اللّه - هذا تصريح منه بأنه لا ينفع حذر من قدر . د - وقال كعب بن زهير في قصيدته المشهورة في مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : وقال كل خليل كنت آمله * لا ألهينك ، أني عنك مشغول فقلت : خلوا سبيلي لا أبالكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول
--> وأوقع عمر رضي اللّه عنه عقوبتين على رجل قال هذا القول . فقد جيء إليه بسارق ، فسأله : لم سرقت ؟ فقال : قدر اللّه ذلك . فقال عمر : اضربوه ثلاثين سوطا ، ثم اقطعوا يده . فقيل له : ولم ؟ فقال يقطع لسرقته ، ويضرب لكذبه على اللّه » ا . ه . ( 1 ) إن اللّه يهدي الإنسان لعمل الخير ، إذا كانت نية الإنسان متجهة لعمل الخير ، واللّه يضل الإنسان إذا كانت نية الإنسان متجهة إلى الضلال . ( 2 ) الجاثليق : رئيس النصارى الكاثوليك . والكلام صحيح . فإن اللّه يرسل الأنبياء لهداية الناس ، ولمنعهم من الضلال .