فخر الدين الرازي
291
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الخامس في قولنا رَبِّ الْعالَمِينَ قالت المعتزلة : التربية عبارة عن إيصال المنافع إلى الغير ، لغرض الإحسان إليه . فلما وصف اللّه نفسه بأنه رب العالمين ، وجب أن يقال : إن كل ما أوصل اللّه إلى الغير فإنه منفعة ، وأنه تعالى إنما أوصلها إليهم لغرض الإحسان إليهم . وهذا إنما يتم على قولنا . فإنا نقول : إنه تعالى ما خلق الخلق ، وما كلف أحدا إلا لغرض الإحسان إليهم . فأما على قول الجبرية ، وهو أنه تعالى خلقهم للنار والعذاب الدائم ، فهذا لا يكون ربا ولا مربيا البتة . قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية من أدل الدلائل على صحة قولنا . وبيانه من وجوه : الأول : إن العالم كل موجود سوى اللّه ، فتكون أفعال العباد من جملة العالم . ولما كان ربا للعالمين ، وجب أن يكون ربا لأفعال العباد والرب هو المتصرف [ بالشيء « 1 » ] فيلزم كونه متصرفا في أفعال العباد ، والتصرف في أفعال العباد لا يكون إلا بخلقها وتكوينها . فدلت هذه الآية على أنه تعالى خالق لأفعال العباد . الثاني : إنه تعالى لما علم أن الكافر لا يؤمن ، وأنه لا يستفيد من صيرورته مأمورا بالإيمان إلا استحقاق العذاب الدائم ، فكيف يمكن أن يقال : إنه تعالى إنما كلفه لغرض الإحسان ؟ ومثاله : من وقع في البئر ، وعلم إنسان علما يقينا : أنه لو رمى إليه حبلا ، فإنه يخنق نفسه ، ثم إنه مع هذا اليقين رمى إليه حبلا ، وقال : غرضي منه : أن يستعين به على الصعود من البئر . فإن كل أحد يقول : إنك علمت أنه لا يصرف ذلك الحبل إلا إلى مضرة نفسه ، فكان
--> ( 1 ) من ( م ، ل ) .