فخر الدين الرازي

283

المطالب العالية من العلم الإلهي

العلم بكونه نافعا أو ضارا أو خاليا عنهما . والعلم بكونه نافعا خاليا عن المعارض يوجب الميل إلى تحصيله . والعلم بكونه ضارا خاليا عن المعارض يوجب النفرة عنه . والميل الجازم يوجب الفعل والنفرة توجب الترك . فترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله ترتب ضروري ذاتي ، ولا عمل للشيطان فيه . لأن الواجب بذاته لا يصير واجبا بغيره . وثبت : أنه لا تأثير لعمل الشيطان في مرتبة من هذه المراتب . فكيف يستعاذ باللّه منه ؟ بقي أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن الشيطان ألقى كلاما في خاطر الإنسان وذكره صورة أمر ، بعد أن كان غافلا ؟ لكنا نقول : صدور هذا التذكير عن الشيطان ، لا بد فيه من المراتب الأربعة المذكورة . فإن كان ذلك الإدراك إنما حصل في قلب ذلك الشيطان ، لأن شيطانا آخر ذكره ، لزم التسلسل . وإن انتهت هذه الحركات والبواعث والدواعي « 1 » إلى [ أنها ] لم تقع [ إلا ] بتخليق اللّه وبتكوينه فقد صار الكل من اللّه وحينئذ يرجع حاصل قوله أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إلى ما صرح به رسول اللّه وهو قوله : « أعوذ بك منك » فوسوسة الشيطان هي المبدأ القريب ، وفعل الحق سبحانه هو المبدأ البعيد . لأنه سبحانه مسبب الأسباب . ومراتب الكتاب منتهية إليه ، ودرجات الحاجات متصاعدة إليه . ونظيره : قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ « 2 » ثم قال : قُلْ : يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ « 3 » ثم قال : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا « 4 » وما ذاك إلا لما ذكرنا : من أن من الأسباب ما قد تكون قريبة ، وقد تكون بعيدة . فكذا هاهنا . الوجه السابع : إن المقصود من الاستعاذة . إما أن يكون طلب مصالح الدين ، أو طلب مصالح الدنيا . فإن كان الأول فالمطلوب : إما الأقدار ، أو التمكين ، أو تحصيل الإيمان . أما الأول فهو حاصل عند المعتزلة . فلم لا يجوز طلبه ؟ وأما الثاني فذاك اعتراف بأن الإيمان والكفر من اللّه . وأما مصالح الدنيا

--> ( 1 ) والدواعي التي لم تقع بتخليق . . . الخ [ الأصل ] . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : 42 . ( 3 ) سورة السجدة ، آية : 11 . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية : 61 .