فخر الدين الرازي
25
المطالب العالية من العلم الإلهي
فنقول : هذا مغالطة . وذلك لأن الفعل كان معدوما . وعدمه كان مستمرا من الأزل إلى الأبد . والعدم المستمر لا يحتاج إلى المقتضى . فنقول : عند حصول الداعية المرجحة لجانب الوجود . الأولى دخوله في الوجود . وإن كان لا يمتنع بقاؤه على ذلك العدم الأصلي المستمر . ولا نقول : إن هذه القدرة إنما تترجح بسبب الداعية المرجوحة ، وهي « 1 » داعية الترك . لأن بقاء المعدوم على عدمه الأصلي ، لا يحتاج إلى مرجح ، بل يكون استمراره على ما كان عليه ، لنفسه . وعلى هذا التقدير ، فقد زال المحال الذي ذكرتموه . والجواب عن السؤال الأول : إننا نسلم : أنا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا الفعل : فعلنا . وإن شئنا الترك : تركنا . ولكنا لا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا [ أن نشأ « 2 » ] الفعل : حصلت لنا مشيئة الفعل . وإن شئنا أن نشأ الترك : حصلت لنا مشيئة الترك . وإلا لعاد الكلام في تلك المشيئة . ويلزم افتقارها إلى مشيئة ثالثة . ويلزم التسلسل . بل نجد قطعا ويقينا من أنفسنا : أنه قد يحصل في قلبنا مشيئة الفعل ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها [ وقد يحصل مرة أخرى مشيئة الترك ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها « 3 » ] ونجد أيضا : أنه إذا حصلت المشيئة الجازمة للفعل ، في « 4 » قلوبنا ، فإنه يحصل الفعل لا محالة . وإذا حصلت المشيئة الجازمة للترك في قلوبنا « 5 » حصل الترك . فإذا اعتبرنا هذه الأمور ، علمنا : أنه ليس حصول المشيئة فينا : بنا . وليس ترتب الفعل [ الحصول « 6 » ] مشيئة الفعل : بنا بل هذه أمور مترتب بعضها على البعض . والمبدأ « 7 » من خلق اللّه . فيكون الكل من اللّه . فثبت بما ذكرنا : أن هذا الاعتبار الذي نجده من أنفسنا : من أدل الدلائل على أن الكل من اللّه ، وأن الانسان مضطر في صورة مختار . وأما السؤال الثاني : وهو طلب الفرق بين المؤثرات الطبيعية ، وبين
--> ( 1 ) وهذه ( م ) . ( 5 ) قلبنا ( ط ، ل ) ( 2 ) من ( ط ) ( 6 ) من ( ط ، ل ) ( 3 ) من ( ط ، ل ) ( 7 ) ومبدأ [ الأصل ] ( 4 ) حصلت في قلوبنا ( م )