فخر الدين الرازي

231

المطالب العالية من العلم الإلهي

الحجة الثانية عشر : روى أنس أنه قال : خدمت النبي عليه السلام سنين . فما بعثني في حاجة لم تتهيأ ، إلا قال : « لو قضى لكان » أو « لو قدر لكان » قالوا : المراد : أن اللّه لو علم أنه سيكون ، لكان . أو المراد : أنه لو كتب في اللوح المحفوظ أنه كائن ، لكان . ثم قالوا : وليس المراد من التقدير : الخلق . وإلا لصار معنى الكلام إنه لو كان لكان . فيصير الجزاء عين الشرط . والجواب : أما حمل التقدير على الكتابة ، أو العلم . فقد سبق القول فيه . وقوله : « يلزم كون الجزاء عين الشرط » قلنا : هذا لا يلزم على قولنا : إن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . لأن الشرط هو خلق القدرة مع الداعي ، والجزاء ترتيب الفعل عليه . الحجة الثالثة عشر : قال ابن الرملي : أتيت أبي بن كعب ، فقلت : في نفسي شيء من القدر ، فحدثني بشيء لعله أن يذهب عن قلبي . فقال : إن اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، عذبهم غير ظالم . ولو رحمهم ، كانت رحمته إياهم خيرا لهم من أعمالهم . ولو أنفقت مثل جبل أحد في سبيل اللّه ، ما قبل اللّه منك ، حتى تؤمن بالقدر ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولو متّ على غير ذلك ، أوجبت النار . قال : ثم أتيت عبد الله بن مسعود ، فقال : مثل قوله ، ثم أتيت حذيفة بن اليمان ، فقال : مثل قوله ، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بمثل ذلك . وأما المعتزلة . فإنهم حملوه على العلم والكتابة . وقد سبق جوابه . الحجة الرابعة عشر : التمسك بالدعاء المروي في صلاة الاستخارة ، روى أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري . قال : كان رسول اللّه عليه السلام يعلمنا الاستخارة في الأمور ، كما يعلمنا السورة من القرآن . يقول : « إذا همّ أحدكم بالأمر ، فليركع ركعتين من غير الفريضة » ثم ليقل : « اللهم إني أستخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم . فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعيشتي ،