فخر الدين الرازي

232

المطالب العالية من العلم الإلهي

وعاقبة أمري ، فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به » قال : ويسمي حاجته . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح . واعلم : أن الاستدلال به من وجوه : الأول : إن الفعل الذي يطلب الاستخارة فيه . لا شك أنه قادر عليه ، نظرا إلى سلامة الأعضاء ، وصحة المزاج . ثم إنه مع ذلك طلب من اللّه تيسيره له ، إن كان له فيه مصلحة ، وصرفه عنه ، إن كان له فيه مفسدة . وهذا التيسير والصرف لا معنى له إلا إلقاء داعية الفعل في القلب ، أو إلقاء داعية الترك فيه . فهذا الحديث يدل على أن صدور الفعل عن العبد ، يتوقف على إلقاء تلك الداعية في قلبه ، ويدل أيضا على أنه متى حصلت تلك الداعية الجازمة في القلب ، فإنه يحصل ذلك الفعل ، لا محالة . والوجه الثاني : قوله : « أقدر لي الخير ، حيث كان » وهذا يدل على أن الكل بقدر اللّه . والثالث : قوله : « ثم أرضني به » وهذا يدل على أن حصول الرضا في القلب تارة ، والسخط أخرى . ليس إلا من اللّه تعالى . قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من التيسير ، فعل الألطاف ، وتحصيل المعدات ، وإزالة العوائق ؟ وأما قوله : « فاقدره لي » فالمراد : فاكتب لي ذلك . والجواب : إن مذهبكم أن العبد قادر على ذلك الفعل ، وعلى ضده ، وأن ترجيح أحدهما على الآخر ليس إلا من العبد ، وليس لله في ذلك الترجيح ، صنع ، ولا عمل البتة . وإذا كان كذلك ، كان طلب هذا التيسير عبثا ولغوا . الحجة الخامسة عشر : روى أبو عيسى في جامعه ، بإسناده عن