فخر الدين الرازي

227

المطالب العالية من العلم الإلهي

فكل ميسر . أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة » قال : « ثم تلا هذه الآية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى « 1 » . والاستدلال بهذا الحديث ، كما تقدم تقريره في الحديث الثالث . واعلم : أن هذا الحديث تصريح بما اخترناه من أن مجموع القدرة والداعي ، يوجب الفعل وذلك لأن صلاحية الآلة وسلامة الأعضاء ، حاصل بالنسبة إلى الطاعة والمعصية ، وإلى اليسرى والعسرى . إلا أنه إن حصلت داعية الطاعة ، فذاك هو التيسير لليسرى . وإن حصلت داعية المعصية . فذاك هو التيسير للعسرى . وأما قول السائل : أفلا نتكل على الكتاب السابق ؟ فلا جواب عنه إلا ما ذكره سيد البشر عليه السلام . وذلك لأن حصول اليسرى تارة ، والعسرى أخرى ، إنما كان بواسطة هذه الدواعي والبواعث . فأهل الشقاوة هم الذين تيسرت لهم دواعي الفساد ، وأهل السعادة هم الذين تيسرت لهم دواعي الطاعات . فإن الداعية توجب الفعل ، وحصول الفعل يوجب الأثر في الدار الآخرة . وكيف يقال : إنا نترك الفعل ، ونجد أثر ذلك الفعل ؟ . الحجة الخامسة : ما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن طاوس اليماني ، أنه قال : أدركت ناسا من أصحاب رسول اللّه عليه السلام ، يقولون : كل شيء بقدر اللّه ، وسمعت عبد الله بن عمرو ، يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « كل شيء بقدر ، حتى العجز والكيس » والاستدلال بالخبر : ظاهر . وتقريره من حيث العقل : إن كل ما سوى اللّه ممكن ، وكل ممكن محتاج . وذلك يدخل فيه الأفعل والأقوال والأحوال والأخلاق . الحجة السادسة : ما رواه مسلم في صحيحه ، بإسناده عن جابر ، قال :

--> ( 1 ) سورة الليل ، آية : 4 - 10 .