فخر الدين الرازي

228

المطالب العالية من العلم الإلهي

جاء سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا ، كأنا خلقنا الآن . فيم العمل اليوم ؟ فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير ؟ أو فيما نستقبل ؟ قال عليه السلام : « بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير ؟ قال : ففيم العمل ؟ قال : « اعملوا : فإن كلا ميسر » . قال صاحب شرح السنة ، بعد ما روى هذا الخبر : « وصح عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه عليه السلام أنه قال : « يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق » . فاختصمه على ذلك ، أبو ذر » قالوا : المراد من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الأمر قد فرغ منه » هو الكتابة في اللوح المحفوظ ، والإخبار عن كونه شقيا أو سعيدا . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه : أنه عليه السلام بيّن أن تلك الكتابة غير موجبة لشقاوة العبد ولسعادته ، وإنما يستحق ذلك بعمله الذي يحصل باختياره . وأما قوله : « كل ميسر لما خلق له » فالمراد : أنه قادر عليه ، غير ممنوع . وذلك هو صريح مذهب الاعتزال . والجواب : أما حمل هذا الكلام على الحكم والكتابة فقد تقدم القول بأن هذا يوجب قولنا . وأما قوله : « إنه عليه السلام ما أحال السعادة والشقاوة على ذلك الكتاب ، بل على ذلك العمل » فجوابه : إن الحديث دل على أنه تعالى إنما قدر له السعادة تارة ، والشقاوة أخرى ، بواسطة الأعمال المفضية إليها ، والموجبة لها . وذلك هو صريح قولنا . الحجة السابعة : روى البخاري بإسناده عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت شيئا أشبه باللحمة ، مما قاله أبو هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال : « إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة . وزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه » . وجه الاستدلال بالخبر : ما تقدم . أنه تعالى لما علم ذلك وأخبر عنه ،