فخر الدين الرازي
226
المطالب العالية من العلم الإلهي
بالعقل . وذلك لأنا نرى أن الإنسان قد يكون مواظبا على الكفر والفسق ، وعلى أعمال أهل النار ، ثم ينقلب مؤمنا برا تقيا . وقد نرى الأمر على العكس من ذلك . فانقلابه من الحالة المتقدمة ، إلى الحالة المتأخرة ، لا بد وأن يكون لمرجح . إذ لو جاز حصول الرجحان ، لا لمرجح ، فلنجوز ذلك في كل الممكنات . ثم ذلك المرجح إن كان من العبد ، عاد الطلب . وإن كان من اللّه ، فقد حصل المطلوب . فثبت : أن هذا البرهان العقلي يدل على أن المواظب على أعمال أهل النار ، إنما ينقلب مواظبا على أعمال أهل الجنة . لأن القضاء الإلهي ، اقتضى ذلك ، وقلبه من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر . وهذا هو المراد من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة » . قوله : « هذا الحديث لا يدل إلا على أن أفعال العباد ، لا تقع إلّا على وفق علم اللّه » قلنا : هب أنه كذلك . إلا أنا بينا أن خلاف المعلوم ممتنع الوقوع . أما قوله : « حكم اللّه في أفعال العباد ، مشروط ، لا جازم » قلنا : لا نزاع أن اللّه تعالى يعلم أن « زيدا » لو أطاع فإنه يثاب . ولكن هل حصل مع هذه القضية الشرطية ، علم بأنه يطيع أم لا ؟ فإن لم يحصل العلم ، لا بالوقوع ، ولا بعدم الوقوع ، كان تعالى غير عالم بالجزئيات . وهو كفر . وإن علم الوقوع ، أو اللاوقوع ، وجب أن لا يكون خلافه ، ممتنع الوقوع . وحينئذ يعود الإلزام المذكور . واللّه أعلم . الحجة الرابعة : ما رواه الشيخان في الصحيحين بإسناديهما ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب . قال : خرجنا على جنازة . فبينا نحن بالبقيع . إذ خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وبيده مخصرة فجاء ، فجلس ، ثم نكت بها في الأرض ساعة ، ثم قال : « ما من نفس منفوسة ، إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار . وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة » فقال رجل : أفلا نتكل على كتابنا يا رسول اللّه ، وندع العمل ؟ قال : « لا . ولكن اعملوا ،