فخر الدين الرازي

222

المطالب العالية من العلم الإلهي

على أن الإيمان بالقدر من شرائط صحة الإيمان . وهذا ينتج من الشكل الثاني : أنه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر هو الكتابة في اللوح المحفوظ : وأما حمل القدر على العلم واللسان ، فباطل أيضا . لأن ذلك البيان ، إما أن يكون بيانا للبشر ، وهو مفقود . أو للملائكة ، وهو أيضا باطل . لأن العلم بأن اللّه بيّن أحوال أفعال العباد للملائكة ليس من واجبات الإيمان . وإيمان بالقدر من واجبات الإيمان بحكم دلالة هذا الخبر . وذلك يدل على أنه ليس المراد من هذا القدر هو البيان . وأما حمل القدر على العلم ، فضعيف . لأنه إن حمل على أي علم كان ، فهو باطل . بدليل : أن من علم ذات اللّه وصفاته . لا يقال : إنه قدر ذات اللّه وصفاته ، وإن حمل على العلم المقتضي إيقاع الفعل على وجه خاص ، فهذا يقتضي أن لا يحصل القدر إلا مع التخليق والتكوين . وإن حمل على علم اللّه بكيفية أفعال العباد ، فالجبر أيضا لازم . لما ثبت : أن خلاف معلوم اللّه : محال الوقوع . وأما قوله : « الإيمان بالقدر ، محمول على أن خالق اللذات والآلام ، هو اللّه » قلنا : هذا ضعيف . لأن قولنا : لا إله إلا اللّه ، تصريح بنفي الإلهين . وذلك يدل على أن خالق المنافع والمضار ، هو اللّه . فلما أوجب بعده الإيمان بالقدر ، وجب أن يكون المراد من القدر شيئا آخر ، سوى ذلك . وما ذاك إلا الإيمان بأن الطاعات والشرور كلها من اللّه . وأما قوله : « المراد من ذلك : إثبات أن القدر من العبد » قلنا : هذا مدفوع بما أنه جاء في بعض الروايات : « وأن تؤمن بأن القدر خيره وشره من اللّه » وأما قوله : « مذهب علي بن أبي طالب ، نفي الجبر ، والراوي إذا خالف روايته دل على ضعف في الرواية » قلنا : لا نسلم أن مذهب « عليّ » ما ذكرتم . وسيأتي تقريره ، إن شاء اللّه تعالى . الحجة الثالثة : روى الشيخان في الصحيحين بإسنادهما عن الأعمش ،