فخر الدين الرازي
223
المطالب العالية من العلم الإلهي
عن زيد بن وهب ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود ، يقول : حدثنا رسول اللّه عليه السلام ، وهو الصادق المصدوق : « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ، أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه إليه الملك بأربع كلمات . فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد » قال : « وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخلها » . والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : إنه تعالى لما حكم به بأنه شقي ، امتنع أن يصير سعيدا ، وإلا لزم أن ينقلب الخبر الصدق : كذبا ، وأن ينقلب العلم : جهلا . وكل ذلك محال . الثاني : إنه عليه السلام بيّن أن الرجل يعمل بعمل أهل النار ، إلا أنه لأجل أنه سبق الكتاب بكونه من أهل الجنة ، ينقلب من عمل أهل النار إلى عمل أهل الجنة . وهذا يدل على أنه لا قدرة للعبد ، على خلاف حكم اللّه وعلمه . وذلك يبطل القول بالاعتزال . فإن قيل : هذا الخبر مشتمل على أمور باطلة ، فوجب أن يقال : إنه ليس كلاما لرسول اللّه . وبيانه من وجوه : الأول : حكى الخطيب في « تاريخ بغداد » عن « عمرو بن عبيد » أنه قال : « لو سمعت الأعمش يقول هذا ، لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ، ما أجبته ، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ، ما قبلته ، ولو سمعت رسول اللّه يقوله ، لرددته ، ولو سمعت اللّه يقول هذا ، لقلت : ليس على هذا أخذت ميثاقا » الثاني : وهو أن هذا الحديث يدل على أن النطفة تبقى نطفة أربعين