فخر الدين الرازي

210

المطالب العالية من العلم الإلهي

مجلسه ، وحاول كل واحد من أولئك السامعين أن يحكي عين ما سمعه . فإنه يقع بينهم اختلاف شديد ، واضطراب عظيم ، بسبب الزيادة والنقصان في ذلك الكلام . فإذا كان الأمر كذلك مع قرب الزمان ، فكيف مع تطاول المدة ، وكثرة الوسائط ، وشدة رغبات المحدثين في وجوه التحريف والتغيير ؟ فبهذا الطريق . ظهر أن هذه الأخبار المنقولة إلينا ، ليست ألفاظها ، ألفاظ صاحب الشريعة ، ولا معانيها تلك المعاني . الوجه السادس من وجوه الطعن في أخبار الآحاد : إن من المحتمل أن يكون الحديث الذي رواه الراوي ، كان مسبوقا بكلام آخر ، فدخل هذا الراوي في أثناء الكلام ، ولم يسمع تلك المقدمة ، فيقل القدر الذي سمعه . وكان ذلك القدر حظى بانفراده . ولنذكر لهذا أمثلة : المثال الأول : روى أن ابن عمر ، وأبوه عمر - رضى اللّه عنهما - كان ينهي كل واحد منهما عن البكاء على الميت . ويقول : سمعت رسول اللّه يقول : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه . فأنكرت عائشة رضي اللّه عنها ، على ذلك . وقالت : إن لكم في القرآن ما يكفيكم . قال تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ ، وِزْرَ أُخْرى « 1 » والرسول - عليه السلام - إنما قال ذلك في حق يهودية ، وأهلها يبكون عليها : « إنهم يبكون وإنها لتعذب في قبرها » فإذا جاز أن يخفى على عمر ، وعلى ابنه عبد الله ذلك ، مع كثرة علمهما ، فما الظن بغيرهما . المثال الثاني : لما رووا أن التاجر فاجر . قالت عائشة : إنه عليه السلام إنما قال ذلك في حق تاجر ، قد غش . المثال الثالث : روى ابن مندة الأصفهاني في كتاب التوحيد ، عن ابن عطية . أنه قال : دخلنا على عائشة ، فقلنا : يا أم المؤمنين . إن ابن مسعود روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من أحب لقاء اللّه ، أحب اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه ، كره اللّه لقاءه » فقالت عائشة : رحم اللّه أبا عبد الرحمن . حدثكم بأول الحديث ، ولم تسألوه عن آخره . وسأحدثكم : « إن اللّه تعالى إذا

--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية : 18 .