فخر الدين الرازي
211
المطالب العالية من العلم الإلهي
أراد بعبد خيرا قيّض له ملكا قبل موته ، فسدده حتى يموت على الخير . فإذا رأى عند القرب من الموت مما يتنزل عليه من الرحمة والبركة ، أحب لقاء اللّه ، وأحب اللّه لقاءه ، وإذا أراد بعبد شرا ، قيض له شيطانا قبل موته ، فأغواه . فإذا حضره الموت رأى المكروه . فعند ذلك يكره لقاء اللّه ، ويكره اللّه لقاءه » . المثال الرابع : روي أنه عليه السلام قال : « ولد الزنا شر الثلاثة » فقال ابن عمر : بل ولد الزنا خير الثلاثة : والنبي عليه السلام إنما قال ذلك في ولد زنا بعينه . فثبت : أن الكلام قد يكون مسبوقا بمقدمة ، ويتغير المعنى بسبب تغير تلك المقدمة . فإذا لم يسمعها الراوي ، تغير المقصود جدا . الوجه السابع من وجوه الطعن : اختلاف الإعراب : فإن الحركات الإعرابية قد تخفى وتشتبه . فيتغير المعنى بسبب ذلك . كما في قوله : فحج آدم موسى . فإنك لو نصبت آدم ، كان المعنى شيئا . ولو رفعته كان المعنى ضد ذلك . الوجه الثامن : أن الراوي قد يروي على سبيل التأويل : روى أن أبا هريرة كان في سفر ، فلما نزل القوم ، ووضعوا السفرة ، بعثوا إليه واحدا ، وهو يصلي . فقال : إني صائم ، فلما كادوا أن يفرغوا ، جاء أبو هريرة ، وشرع في الأكل ، فنظر القوم إلى رسولهم . فقال : ما تنظرون إلي ؟ واللّه قد أخبرني أنه صائم . فقال أبو هريرة : صدق . سمعت رسول اللّه يقول : « من صام ثلاثة أيام من كل شهر ، فقد صام الشهر كله » وقد صمت ثلاثة أيام من كل شهر . فأنا صائم الشهر كله . وتصديق ذلك في كتاب اللّه : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها « 1 » . وأقول : لو أن أبا هريرة لم يكشف عن مراده ، لحصل التلبيس . ولكنه لما بين ذلك ، علموا أنه إنما قال ذلك على سبيل التأويل . وإذا كان كذلك فلا
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 160