فخر الدين الرازي
209
المطالب العالية من العلم الإلهي
الشيخ لكونه مقبولا عند كل المحدثين . وإذا كان حال هذا الخبر في الاضطراب والتفاوت هكذا ، مع أنه أقوى الأخبار الصحيحة . فما ظنك بسائر الأخبار التي ما بلغت في القوة إلى عشر درجة هذا الخبر ؟ واعلم : أن من تأمل في كتب الأخبار ، عرف أن أكثرها مضطرب بسبب الزيادات والنقصانات ، بحسب الروايات المختلفة . الوجه الخامس : إنا نعلم بالضرورة : أن الصحابة الذين نقلوا عن رسول اللّه هذه الأخبار . ما كانوا يكتبونها عند سماعها منه ، بل كانوا يكتفون بمجرد السماع . ثم إنهم بعد سماعها منه ، ما كانوا يقرءونها عليه عند حضوره لغرض تصحيح الغلط وإصلاح الفاسد . بل كانوا يكتفون بالسماع مرة واحدة . ثم ربما رووا ذلك الحديث بعد المدة بثلاثين سنة ، أو أربعين سنة ، أو خمسين سنة . وعند هذا يحصل القطع واليقين . بوقوع التفاوت الكثير في الألفاظ ، وفي المعاني . أما في الألفاظ : فلأن الفقيه الذي اعتاد تلقف الدرس من الأستاذ ، وبلغ في هذه القدرة إلى الغاية القصوى ، إذا ألقى الأستاذ الدرس عليه مرة واحدة ، فإنه لا يمكنه أن يعيد ذلك الدرس بألفاظ الأستاذ بالكلية . بل لا بد وأن يقع فيه تغيير كثير في الألفاظ ، وتقديم وتأخير . ثم من المعلوم : أن هؤلاء الرواة تعودوا تلقف الدروس ، وما مارسوا هذه الصنعة . بل كانوا يسمعون ألفاظ الرسول عليه السلام ، ثم كانوا يعيدونها بعد السنين المتطاولة . فلما لم يقدر الفقيه المتعود لتلقف الألفاظ على إعادة ما سمعه في ذلك المجلس بتلك العبارة ، فبأن لا يقدر عليه الرجل الذي لم يتعود البتة ضبط الألفاظ بعد خمسين سنة ، إعادة تلك الألفاظ ، كان أولى . وبالجملة : فالعلم الضروري حاصل بأن إعادة تلك الألفاظ بعين ذلك الترتيب ، غير مقدور البتة . وأما أن إعادة تلك المعاني غير ممكن أيضا : فذاك . لأن رجلا كبيرا مهيبا . إذا جلس يحدث الناس ، وحضر عنده ، جمع عظيم . فإذا تفرقوا عن