فخر الدين الرازي

193

المطالب العالية من العلم الإلهي

يقدح ذلك في إقراره بأن خالق المرض والشفاء ، هو اللّه تعالى . فكذا هاهنا . أضاف السيئة إلينا ، والحسنة إلى نفسه . ولا يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للكل . الثاني : إن أكثر المفسرين . قالوا في تفسير قول إبراهيم - عليه السلام - : هذا رَبِّي « 1 » : أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار . كأنه قال : هذا ربي ؟ فههنا يحتمل أن يكون المراد ذلك . كأنه قيل : الإيمان الذي وقع على وفق قصده : من اللّه . والكفر الذي وقع خلاف قصده : من نفسه . وهذا محال . لأنه لو وقع بإيقاعه ، لما وقع إلا ما قصده واختاره . فلما حكمنا بأن الإيمان الذي وقع على وفق قصده : من اللّه ، لا منه . فكيف يمكن أن يقال : الكفر الذي وقع على خلاف مقصده : منه ؟ والحاصل : إن قوله : « وما أصابك من سيئة ، فمن نفسك ؟ » : محمول على الاستفهام ، على سبيل الإنكار ، حتى يلزم التناقض بين أول الآية وآخرها . ومما يدل على أن المراد من قوله : قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : جميع الممكنات والمحدثات وجهان : الأول : البرهان القاطع العقلي . وهو أن كل موجود . فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته . والواجب لذاته واحد . وهو اللّه - سبحانه - والممكن لذاته كل ما سواه . ثم إن الممكنات لذاته ، إن استغنى عن المؤثر ، فحينئذ ينسد باب الاستدلال بحدوث العالم وبجوازه على وجود الصانع ، ويلزم نفي الصانع . وأما إن كان الممكن لذاته ، محتاجا إلى المؤثر ، وجب أن يثبت هذا الحكم في جميع الممكنات ، وأن لا يختلف لكونه حيوانا أو جمادا ، أو فلكا أو ملكا ، أو حركة أو سكونا ، أو فعلا أو قولا . لأنه لما كان الإمكان منشأ للحاجة ، وجب تحقق الحاجة في جميع الممكنات . ولأجل قوة هذا البرهان وظهوره . قال سبحانه : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ ، لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً على سبيل التعجب . لأنه لما كان الإمكان هو المنشأ للحاجة . فالحكم في بعض

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 76 .