فخر الدين الرازي
194
المطالب العالية من العلم الإلهي
الممكنات بالحاجة ، وفي بعضها بعدم الحاجة : عجيب خارج عن المعقول . والوجه الثاني في بيان ما ذكرناه : أنه تعالى قال في آخر هذه الآية : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ ، فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى ، فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني : ما أرسلناك إليهم ، لأجل أن تجعلهم مؤمنين ، عارفين واصلين إلى الحق . فإن ذلك ليس في وسعك . بل لا يحصل ذلك إلا بقدرتي وإرشادي . وهذا آخر تقرير هذه الحجة . واللّه أعلم . الحجة الخامسة عشر : الإيمان حسنة ، وكل حسنة فمن اللّه ، ينتج : أن الإيمان من اللّه . بيان المقدمة الأولى : إن الحسنة هي الفعل الخالي عن جميع جهات القبح ، والإيمان كذلك . فكان حسنة . ولأنهم اتفقوا على أن قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا : مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ « 1 » المراد به : كلمة الشهادة وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 2 » : إن ذلك هو قول : لا إله إلا اللّه . فثبت : أن الإيمان حسنة . وإنما قلنا : إن كل حسنة فمن اللّه . لقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وهو نكرة في موضع الشرط ، فيفيد الاستغراق . وإذا ثبت أن الإيمان من اللّه ، وأردنا أن نبين أيضا : أن الكفر من اللّه تعالى . فلنا فيه وجوه : الأول : إنه لا قائل بالفرق . الثاني : العبد لو قدر على إيجاد الكفر . فالقدرة الصالحة لإيجاد الكفر . إما أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان ، أو لا تكون . فإن كان الأول فحينئذ يعود ذلك إلى القول بأن إيمان العبد منه . وإن كان الثاني فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده . وذلك عندهم باطل . وأيضا : على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور . وذلك عندهم يمنع من كون القادر قادرا على الفعل . فثبت : أنه لما لم يكن الإيمان منه ، وجب أن لا يكون الكفر منه .
--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية : 33 . ( 2 ) سورة النحل ، آية : 90 .