فخر الدين الرازي

192

المطالب العالية من العلم الإلهي

منه : أنها حصلت بإقدار اللّه وبإعانته عليه ، فوجب حمل اللفظ عليه ، إزالة للتناقض بين الآيات . قوله : « المراد من الحسنة والسيئة ؛ المنافع والمضار » قلنا : قد بينا أن لفظ الحسنة والسيئة ، كما يتناولان المنافع والمضار ، فقد يتناولان الطاعات والمعاصي . فتخصيصه بأحدهما تحكم محض . قوله : الآية إنما نزلت في المنافع والمضار ، والخصب والجدب قلنا : العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب . قوله : « لا يقال في الطاعات والمعاصي ، إنها أصابتني » قلنا : لا نسلم . فإنه يجوز أن يقال : أصابني توفيق من اللّه ، وعون من اللّه . وفلان أصابه خذلان من اللّه . والمراد من ذلك : التوفيق والعون لتلك الطاعة ، أو ما يرجح جانبه على جانب المعصية . قوله : « لفظ الحسنة والسيئة ، بالنسبة إلى المعنيين مشترك ، فلم يمكن حمله عليها » قلنا : لا نسلم أنه مشترك ، بل متواطئ . وذلك لأن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة . ثم إنه إن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة ، وإن كان منتفعا به في الدنيا ، فهو النفع الحاضر . فثبت : أن هذا اللفظ بالنسبة إلى هذين الأمرين متواطئ ، لا مشترك ، فكان متناولا لكل واحد من القسمين . قوله : « لو حملنا الحسنة والسيئة هاهنا على الطاعات والمعاصي ، لزم التناقض بين أول الآية وبين آخرها » قلنا : لا نسلم . أما قوله تعالى : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فنقول : وجه تمسك الخصم به : أن المدح والذم لا يصحان ، إلا إذا كان العبد موجدا . وسيأتي الجواب عن هذه الشبهة ، إن شاء اللّه تعالى . وأما قوله تعالى : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالجواب عن تمسكهم به من وجوه : الأول : إنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 1 » أضاف المرض إلى نفسه ، والشفاء إلى اللّه . ولم

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية : 80 .