فخر الدين الرازي

191

المطالب العالية من العلم الإلهي

يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين . ولا يقال : هذا مدفوع من وجهين : الأول : إن بعضهم قرأ فَمِنْ نَفْسِكَ « 1 » ؟ الثاني : إنه تعالى أضاف الحسنة إلى نفسه ، حيث قال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ تعالى ، وعند المعتزلة : أن الطاعات والمعاصي كلها من العباد . لأنا نقول : أما الأول . فجوابه : من وجهين : الأول : إن هذه القراءة مهجورة مردودة ، وأنها جارية مجرى تغيير القرآن على سبيل التصحيف والتحريف . وهي طريقة مذمومة . الثاني : إن القراءة التي تمسكنا بها ، لا يمكن الطعن فيها . فإنها متواترة . وهي تدل على قولنا . وإذا ثبت ذلك فنقول : هذه القراءة الشاذة . إن كانت منافية لتلك القراءة المتواترة ، وجب القطع بكونها مردودة ، وإن لم تكن منافية لها ، فهي لا تضرنا في هذا المطلوب . وأما الثاني فجوابه : إنا إذا قلنا في الشيء المعين : إنه من فلان . فقد يراد منه : أنه بتخليقه وتكوينه . وقد يراد به : أنه هو الذي أقدره عليه وأعانه عليه وأزال الموانع العائقة منه ، وحصّل الشرائط المعتبرة فيه . إذا ثبت هذا فنقول : أما كون السيئة من العبد ، فليس المراد أنها حصلت بإقدار العبد . وذلك لأن القدرة على المعصية ، ما حصلت من العبد البتة . ولما تعذر حمل اللفظ على هذا ، وجب حمله على أن المراد منه : أنها حصلت بإيجاده وتكوينه . وأما كون الحسنة من اللّه ، فهو يحتمل أن يكون المراد

--> ( 1 ) في تفسير القرطبي ؛ « وقيل : إن ألف الاستفهام مضمرة . والمعنى : أ « فمن نفسك ؟ ومثله : قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ؟ والمعنى : أو تلك نعمة ؟ وكذا قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ، قالَ : هذا رَبِّي ؟ أي : أهذا ربي ؟ قال أبو خراش الهذلي : رموني . وقالوا : يا خويلد ، لم ترع * فقلت - وأنكرت الوجوه - : هم هم ؟ أراد « أهم » ؟ فأضمر ألف الاستفهام » انظر تفسير الآية 79 من سورة آل عمران في تفسير القرطبي . الجامع لأحكام القرآن . والقراءة على الاستفهام قراءة شاذة .