فخر الدين الرازي
190
المطالب العالية من العلم الإلهي
اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ وهي الجدب وغلاء الأسعار . قالوا : هذا من شؤم محمد - عليه السلام - فثبت : أن المراد هاهنا من الحسنة والسيئة ليس هو الطاعات والمعاصي ، بل الرخص والقحط . الثاني : إن الحسنة إذا أريد بها الخير والطاعة . لا يقال فيها : أصابتني . وإنما يقال : أصبتها . وليس في كلام العرب : أصابت فلانا حسنة . بمعنى أنه عمل خيرا ، وأصابته سيئة بمعنى عمل معصية . بل نقول : لو كان المراد ما ذكرتم ، لقال : إن أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعات ، وعلى المنافع الدنيوية ، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنافع مرادة ، فيمتنع كون الطاعات مرادة . ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا . الرابع : إنه تعالى قال بعد هذه الآية : ما دل على أن المراد بالحسنة والسيئة في هذه الآيات ، ليس هو الطاعات والمعاصي . وبيانه من وجهين : الأول : إن تعالى قال بعد هذه الآية : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ ، لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ولو كان حصول العلم والمعرفة بخلق اللّه ، لم يبق لهذا التعجب معنى . لأن السبب في أن لا تحصل هذه المعرفة على قول من يقول خالق أعمال العباد هو اللّه : هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها . وذلك يبطل هذا التعجب . فلما حصل هذا التعجب ، دل ذلك على أن العلم والمعرفة إنما يحصلان بإيجاد العبد . الثاني : إنه تعالى قال بعد هذه الآية : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وجه الاستدلال به : أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية . ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه بقوله : قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأضاف السيئة في آخر هذه الآية إلى العبد بقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ولا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين . ولما كانت السيئة بمعنى البلية والمحنة ، مضافة إلى اللّه تعالى ، وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية ، مضافة إلى العبد ، حتى